دنيا المسرح

مهازل مجلس امناء الاذاعة والتلفزيون

د.حمدى الجابرى

 كان أهم ما خرج به مجلس أمناء اتحاد الاذاعة والتلفزيون أقرب الى المهزلة، فقد انتهى الى اقتراح المجلس بفرض رسوم جديدة على المشاهدين لزيادة موارد الاتحاد، وأيضا اقتراحهم ببيع ترددات اذاعة اف ام لنفس السبب.. وكأنه أصبح قدر مصر أن تبيع دائما ممتلكات الشعب على الأرض وفي السماء.

أما الاقتراح المثير والمستفز الذي ينم عن مدى ابتعاد اعضاء المجلس الجديد عن مكونات الإعلام المصري، فقد ظهر بعد انتهاء الدكتور عصام شرف من كلمته في الجلسة الأولى، وتم فتح الباب للأعضاء لتقديم تصوراتهم عن كيفية النهوض بالإعلام المصري والإعلام الجديد الذي يتخيلونه.. ونظرا لأهمية الأمر لابد من الوقوف عند كل منها على حدة ..

تصوروا أن أحد أعضاء اللجنة الذين أحترمهم كانت كل طلباته كالتالي:

1 ـ الاهتمام بالخدمات التي لا تدر ربحاً مثل الأخبار .

2 ـ اختصار القنوات التلفزيونية التي نملكها إلى قناتين فقط واحدة للأخبار وأخرى للمنوعات، لأنه كما قال يكفينا.. الكيف وليس الكم .

3 ـ طالب بضرورة التوقف عن الإنتاج الدرامي والاكتفاء بشراء مسلسلات تركية مدبلجة.

 وبالطبع فإن الاقتراح الأول يمكن قبوله في حدود صياغته الشكلية بشرط أن يصاحب الصياغة تحديد دستور أو ضوابط لماهية الخدمة الأخبارية حتى لا يعود التلفزيون الى مجرد نشرة أخبار خاصة بالرئيس وحرمه والنظام وأتباعه أو باختصار حتى لا يعود الى ما كان عليه أيام الفقي والمناوي وخدمتهم الإخبارية الشهيرة من نوعية ما كان يبث أثناء الثورة والكذب المرئي والمسموع عن أعداد الثوار وسكون مياه النيل وخلو الميادين وغيرها التي جعلت الكذب )حصري على التلفزيون المصري) والذي يمكن أن يدرس في كليات الإعلام كنموذج عملي للإعلام الفاسد والكاذب ..

أما الاقتراح الثاني الذي يتستر خلف الاهتمام بالكيف لا الكم فانه يلغي كل المراحل التاريخية التي مر بها التلفزيون المصري ليعيد تحجيمه وقص أجنحته وتنوعه، وبالتالي تأكيد عملية طرد المشاهدين عنه لافتقاده التنوع الذي تسعى اليه أي جهة اعلامية تبغي الوصول الى الناس تحت أي مسمى أو هدف، وبالتالي سيتم تسليم المشاهد المصري للقنوات الفضائية والمحطات الخاصة تفعل به ما تشاء !!

وبالطبع لا يمكن أن يصدر هذا الاقتراح عن أي متابع للعملية الإعلامية وليس عن خبير متخصص وعضو مجلس أمناء مفترض فيه تشخيص المرض الإعلامي وطرق علاجه.. ولكن هذا هو واقع الحال الغريب!!

والاقتراح الثالث جسد معالم المصيبة الكاملة الأركان.. فقد طلب العضو الخبير الإعلامي بوقف الإنتاج الدرامي المصري والاكتفاء بالمسلسلات التركية.. ويبدو أن صاحب الاقتراح لا يدري دور الدراما المصرية في تشكيل وعي ووجدان بل ومفردات لغة المواطن العربي في الخارج والداخل تاريخيا، كما أنه لا يدرك أثر الخسائر المادية وبالعملة الصعبة الناتجة عن تنفيذ مثل هذا الاقتراح، بجانب الخسارة البشرية الناتجة عن هجرة الكفاءات المصرية الى مناطق الإنتاج التي لم يكرمها الله بخبير مثله، هذا فضلا عن البطالة بين كل الأطقم الفنية العاملة في مجال الدراما بداية من الممثلين الى أصغر عامل في أي ستوديو تلفزيوني وحتى عمال البوفيه !!

باختصار هدم كل ما تحقق لإعلام الريادة من مكتسبات منذ أيام عبد الناصر وحتى اعلام غير المأسوف عليهما الشريف صفوت والفقي أنس لا أعادهما واعلامهما الله ..

وبالطبع فإن هذا الاقتراح الغريب والمريب لابد أن يشير الى احتمال عدم متابعة الخبير الإعلامي الى ما يتم في الإعلام العربي والأجنبي، الذي يسعى جاهدا وبكل السبل الى استغلال الإنتاج الدرامي لنشر أفكاره وقيمه ومفاهيمه ولغته وأيضا حتى لتحقيق مكاسب سياسية، وهو ما يطلق عليه التوعية والتنوير بين ما يسميه الجانب الآخر .. الغزو الإعلامي ..

ونظرا لأننا لسنا بصدد محاضرة تعليمية فإن الأجدى أن يقوم الدكتور عصام شرف بطلب بعض المراجع والكتب المتعلقة بالدراما والإعلام وتوزيعها على أعضاء مجلس الأمناء وإلزامهم بقراءتها مقابل ما يتقاضونه أو ما يتنازلون عنه من أجر أو مكافأة عن عضوية المجلس.. حتى يوفر الوقت والجهد على نفسه والإعلام المصري ..

وبالمناسبة .. بالـتأكيد لا يعلم عضو المجلس المحترم أن سورية ورئيسها بشار الأسد رغم علاقته الوثيقة بتركيا إلا أنه لم يتوصل الى ما يشبه اقتراحه، بل على العكس تماما أمر بتوفير كل امكانيات الشعب والجيش السوري لخدمة الإنتاج الدرامي، مما دفع كثيرا من المنتجين والفنانين العرب والمصريين الى العمل في سورية، مما أثر كثيرا على الإنتاج الدرامي المصري، ومجرد نظرة من سيادته أو أي خبير مثله من المجلس الى ما تم انتاجه العام الماضي من مسلسلات، ستؤكد لهم مدى ابتعاد اقتراح العضو عن الصواب، وبالمناسبة أيضا، فعل ملك الأردن نفس ما فعله بشار الأسد بالنسبة للإنتاج الدرامي، وأيضا دول الخليج .. ولذلك لا أظن أنه جاد في اقتراحه هذا أو على الأقل اعتقد أنه.. لا يعلم .. لأنني لست من هواة تفسير الأمور بنفس طريقته فيما يقدمه في برنامجه الشهير .. وبالطبع فإن مجرد ذكر اسمه لابد أن يكسب الاقتراح والرد عليه طابعا شخصيا يفقدهما .. نبل المقصد ..

ويمكن للعضو ولمجلس الأمناء كله التعرف على جدوى وجدية المفترح ليس لإلغائه ولكن لتطويره بالاستنارة بآراء المتخصصين في الموضوع عن طريق عقد اجتماع صغير مع ممثل عن نقابة المهن التمثيلية وآخر عن نقابة المهن السينمائية وبعض أساتذة أكاديمية الفنون المصرية واتحاد الفنانين العرب وأيضا قراءة محاضر اجتماعات لجنة الدراما التي تشرفت بعضويتها لسنوات طويلة قبل أن أترك لهم البلد كلها بعد أن فقدت الأمل نهائيا في اعلام صفوت الشريف وقبل أن يتولى انس الفقي الوزارة ..

لا سامحهما الله

 

 القدس العربى الأحد, 22 أيار/مايو 2011

أنت هنا: دنيا المسرح تليفزيون مهازل مجلس امناء الاذاعة والتلفزيون