دنيا المسرح

(جنونستان) جهل ونوايا سيئة ؟

أم توجه من يمثل الرعاة ؟

مجدي الحمزاوي

 

العرض الأردني (جنوستان) لا يمكن أن يمر مر الكرام في مصر. لأنه كما قدم في فعاليات مايسمى بالمسرح العربي . على خشبة مسرح السلام . هو عرض افتقر للأوليات الفنية المفترض تواجدها بمهرجان مسرحي أيا كان ؛ حتى لو كان مهرجان مسرح (بير السلم) ؛ المفترض فيه أن هذه العروض تعرضت للمشاهدة ومن ثم التصعيد للمشاركة بالمهرجان نتيجة توافر بعض الصفات الفنية الجيدة على كافة مستويات العمل الفني عموما والمسرحي خاصة.

فأنت أمام تجميع من ( كاليجولا ) كامي و( يوليوس قيصر ) لشكسبير؛ كما قال المخرج نفسه. ونزيد عليه ( رمولوس العظيم )  لدورينمات . ثم بعض المقولات العامة عن السلطة الفاسدة ومن يحيط بها. ثم الأغاني المصرية للثنائي الشهير نجم وإمام. وتداخل بعض الأغنيات المصرية الأخرى. ليخرج العرض اشبه ببعض المقولات الدعائية الصرفة دون إطار  فني  جامع ؛ وأصبح الأمر بمثابة المثل المصري الحديث ( من كل فيلم أغنية)  ولكن دون رابط منطقي عام أو خاص بالعمل ذاته. وإنما كانت المقولات ومدلول الأغاني التي كتبها نجم ولحنها إمام هي الهاجس الأول . وكانت كل المحاولات هي ترسيخ أن المدلول لهذه الإغاني, بل والدافع لها هو الآن وهنا؛ أي مصر تحديدا .

لا يمكن أن نقول ان هذا العرض قد جاء وهو يحمل حلما ولو ضعيفا بالمنافسة على جوائز أو تقدير  !  لأنه كما قلت ضعيف من حيث المادة الأولى وهي نص العرض المسرحي . ثم التفعيل على خشبة المسرح حيث كان الثبات والجمود إلا فيما ندر هو السمة الأساسية. فنحن أمام جوقة أو مجموعة تكون نصف دائرة طول الوقت لينحصر التمثيل أو الأداء في منتصف المسرح تماما في الأغلب من الوضع واقفا في العموم.

ولكن رغم هذا نقول أنه ربما يكون هذا التوجه وهذا الشكل هو مايراه المخرج فتحا وإبداعا. ولو صح هذا فإن الحلم بالمنافسة لا يذوب !

فلماذا قلنا أن الحلم بالمنافسة لم يكن موجودا ؟

لسبب بسيط جدا. أن المخرج لم يستحضر كل أدواته من موطنه. حيث كانت التدريبات للعرض . ومن ثم الاختيار للعناصر مهما قلت قيمتها أو تواجدها أو إسهاماتها؛ بشكل يتناسب مع وجهة نظر عامة وتكون وحدة واحدة في أداء أو صورة ... الخ. ولكنه جاء بأبطاله. ثم الجوقة و المجموعة فترك أمرها لمقاول أنفار مسرحي مصري؛ جلب له مجموعة من الشباب المتعطش للوقوف على خشبة المسرح؛ دون إدراك لرسالة العرض الحقيقية؛ التي لو علموها ماقبلوا المشاركة ربما.

إذن فالعرض كما هو واضح لم يأت للتسابق أو المشاركة الفنية؛ وأنه أتى فقط ليمثل مقولة ؛ تتم للأسف بمساعدة البعض منا.

العرض الذي يقول مخرجه طبقا لجريدة الشروق

(قال المخرج الأردني حكيم حرب عن عرضه ( جنونستان ) يتحدث عن دولة افتراضية خيالية، لاتمت بصلة للواقع، تمتلئ بالفساد والديكتاتورية، ونقدمها من خلال الكوميديا السوداء، ونحب أن نقول من خلالها إن التخلص من الفاسد أو الديكتاتور لا يكون بالقضاء عليهما، لأنهما يمتدان ويتناسلان في الواقع، إنما يتم القضاء على الديكتاتورية وكل مظاهر الفساد بتغيير ثقافتنا، بمحاربة الديكتاتور والفاسد الموجود داخل كل واحد فينا.)

ولكن طبقا لجريدة الأخبار فنجده يستكمل مابدأ ويقول

(أنه تأثر عند كتابته لنصه (جنونستان)، بنص كاليوجولا  لألبير كامي، ويوليوس قيصر لوليم شيكسبير، غير أنه حول هاتين المآساتين إلى كوميديا ساخرة، تتصل أكثر بالمواطن العربي، متضمنًا ما حدث بعد ما يسمى بالربيع العربي) مشيرًا إلى أنه استعان بأشكال المسرح الشعبي، والظواهر المسرحية التي سبقت الدراما في بدايات المسرح العربي، مثل الأراجوز، والحكواتي، وخيال الظل.

بنظرة واعية ستدرك أن ماقاله أولا يتعارض مع ماقاله ثانيا . حيث أن هناك تركيزا على بلدان معينة وهي التي تأثرت بالربيع العربي !!.

ولو شاهدت العرض ستدرك أنه ركز على مصر فقط.. لماذا؟

لأن المخرج لو كان يجهل أن الحديث في العموم عن أي بلد وأي مكان وأي زمن ... الخ . لايمكن أن يكون باستدعاء علامات فارقة تدل على العكس وتجعل التحديد أمرا واجبا؛ وربما هو يجهل فعلا. ولكن من قام باستدعائه لايمكن أن يكون جاهلا.لأنه لوكان للزم محاكمة كل من هيأ لهذا المهرجان أن يقام في مصر.

العرض يتحدث عن رئيس دولة فاسد وأعوانه بالطبع مجموعة من الفاسدين.. لاحظ أنه بالتحديد رئيس وليس حاكما او ملكا؛ لماذا؟ لأنه طبقا لتصريحه بالأخبار يتحدث عن المنطقة العربية فيما بعد الربيع العربي. اذن فنحن تونس ومصر سوريا واليمن ؛ وبما أنه يتحدث عن فيما بعد. فسورية تواجه حربا كونية سافرة الآن. واليمن متقطع الأوصال .إذن لا يبقى غير مصر وتونس . ولكن كل الإيحاءات وصولا للعلامات الفارقة المتمثلة في الأغاني والزي الذي اقتصر غالبا على الأحمر والأبيض والأسود ؛ ويمثل الأسود الجزء الأكبر منه يجعلك بآلية تخرج تونس من المعادلة ولا يبقى سوى مصر.

وقد يقول منبطح أو منتفع أن هذه حرية وأن الفنان حر فيما يتناوله من وجهات نظر . بل وربما يذهب آخرون ، ليثبتوا أنهم من ذوي الثقافة والإطلاع ، الى الاستشهاد بالحرب الأسبانية وكيف أن الكثير من مثقفي العالم شاركوا بها مثل لورد بايرون مثلا. وعليه فيمكن للأجنبي أن يهتم بالشأن الداخلي المصري ؛ ومع أني ضد هذا قلبا وقالبا فشأن مصر للمصرين فقط. أعيدهم لأحمد فؤاد نجم ذاته. وهو كان على خلاف واضح مع السادات. ولكنه لم يقبل أن يقوم أحد من خارج مصر بإهانته . أي السادات.

والمصيبة أن الأمر لم يكتف بالتدخل فيما هو حادث فقط . والدعوة منه ربما لاستكمال ربيعه الحالم به . لأنه في موطنه ربما يخاف أن يحلم حتى بأي شيء . فيكون التعويض بالحلم للآخر .. ربما يأتي عليه الدور.

ولكن أشد ما أثارني ومر مرور الكرام على المصريين الذين سمحوا بهذا . أنه أي العرض يحمل وجهة نظر مغايرة للتاريخ ومايؤمن به الشعب المصري!! كيف أقول لك.

عندما كان المشهد يتحدث عن الهزيمة التي نالها الرئيس وجيشه. كيف أن المنتفعين والمنبطحين هللوا لهذا . وقالوا أنه ربما هزيمة اليوم يتبعها نصر قادم.

فماذا فعل لتصوير حالة الهزيمة؟

لقد كانت أغنية ( خلي السلاح صاحي) لعبد الحليم هي المعادل للحدث والمعبر عنه. وهذه الأغنية كانت إبان حرب أكتوبر 73 !

فهل يقول مخرجنا أننا تلقينا الهزيمة في الحرب؟؟.

لا يمكن أن يقول أحد أنه رمية بغير رامي وأنها غير مقصودة وإلا ما استحق أن يكون مخرجا. أو كما قلنا قبلا لو كان لايعلم؛ فإنهم يعلمون. ولو كانوا لايعلمون. فعيب علينا أن يقام المهرجان بأرضنا تحت رعاية سامية.

الحقيقة أنه أثناء مشاهدتي للعرض . ورغبتي للخروج أكثر من مرة ولكن كان هناك ضغطا ممن كانوا بصحبتي للتحمل . لأنهم كانوا يرون ما أراه . ولكن عندما وصل الأمر لما هو غير معقول بانتشار الجوقة أو المجموعة في الصالة والشدو بإمام ونجم . أطلفت لفظا معبرا وخرجت. لأجد الكثيرين في الخارج. والكثيرون كانوا عبارة عن بعض المصريين الذين لايهمهم التوقيع في كشف الحضور . والكثير من رعايا الدول الخليجية. وفي هذا إشارة للعقلاء.

وإذا كانت جريدة الشروق قالت (شهد مسرح السلام مساء اليوم الثلاثاء، عرض المسرحية الأردنية (جنونستان) ( بحضور جماهيرى كبير) فيبدو أن كاتب الخبر ربما اطلع على الصالة وخرج من مبنى المسرح. أو أنه يبعث رسالة ما. وتناسى أن المهرجان أحضر معه جمهوره. لدرجة أنني لم أتعرف على أكثر من عشرة وجوه مصرية كانت تشاهد.

في النهاية أقول أليس من المفترض أن قدم تقريرا فنيا عن العروض المشاركة بالمهرجان خاصة أنه تحت الرعاية . واقولها ثانية الفنية.

ثم أليس من المفروض والمهرجان يقام في مصر أن تحظى عروضه المشاركة بالموافقة من الجهات المتخصصة في مصر . الجهات المتخصصة مسرحيا. لأنه لو لم يكن هذا. فيكون انتهاك للسيادة المصرية .

ولو كان هذا فيجب محاكمة كل من قبل ان يعرض هذا العرض الذي يشير صراحة أننا تلقينا الهزيمة في 73. لا أكثر ولا أقل دون الخوض في مسائل أخرى