دنيا المسرح

حفلة تنكرية عودة المسرح الممتع والمفيد

   أ.د. حمدى الجابرى

ضمن انتاجه الروائى والنقدى والصحفى الغزير المناصر للانسان العادى البسيط ضد فساد الطبقة العليا والحاكم المستبد الجهول ، كتب البرتو مورافيا (الحفلة التنكرية) فى الأربعينيات استكمالا لنفس مابدأه فى رواياته ، ومثلما كان يلجأ للجنس كثيرا فيها فعل ذلك أيضا فى الحفلة التنكرية وكذلك فضح الأنظمة المستبدة الظالمة لشعوبها ، ولذلك اعتبر كاتبا معاديا للدولة وكانت النتيجة أن أصبح مطلوبا تسعى خلفه شرطة موسولينى ديكتاتور ايطاليا الدوتشى الشهير بعد أن سخر منه كثيرا فيضطر للهرب بعيدا عن عيونهم لشهور طويلة متخفيا بين الفلاحين والبسطاء الذين دافع عنهم ، وترجم أستاذنا سعد أردش المسرحية فى زمن حسنى مبارك ، ونشرت ولم ينله أذى ، واليوم يقدمها على خشبة مسرح السلام الحكومى هشام جمعة ، ولم ينله أيضا أى أذى مؤثر .. حتى اليوم ..

محمد رياض وجميل عزيز

على المستوى الشخصى وان كان قد تلقى بعض الضربات على المستوى الفنى أو الادارى بتعطيل مسرحيته بل وعدم عرضها على خشبة المسرح القومى الأكثر فخامة والتى ربما تجعل المشاهد جزءا من العرض وهو ما أدى الى ثورة المخرج على وزير الثقافة نفسه حلمى النمنم وفى مواجهته أمام الجميع فى حادثة شهيرة بعد أن أنطقه الظلم .. الحكومى .. دون أن يصرح أحدهما .. الوزير أو المخرج .. بالأسباب الحقيقية ربما لخشية الأول على منصبه الوزارى بسبب وهم احتمال غضب النظام خاصة وأن المسرحية تصور رئيس دولة ديكتاتور متهتك ونظام بوليسى عفن ربما يسيىء البعض تفسيره وتأويله ، وأملا من الثانى فى خروج عرضه المسرحى الى النور بأقل الخسائر الممكنة ..

             والحقيقة أنه منذ البداية فى استعراض المقدمة فى المسرحية يشرع المخرج المعد لنص العرض هشام جمعة فى تقديم دفاعاته مقدما ضد أى اتهام محتمل له وللعرض بالإساءة الى النظام الحاكم فى مصر الآن ، فالمسرحية كتبها البرتو مورافيا كما يقول استعراض مقدمة العرض عن .. (حاكم ظالم هلاس) ،، فى دولة أخرى ،، ومن عهد بعيد ،، و،،(حبشناها وروشناها ، تكتكناها وأستكناها) ، ولأى متحامل أو بطىء الفهم أو كاتب تقارير يؤكد بكل وضوح وبأشعار فرغلى العربى الجميلة مفرداتها والغنية معانيها .. أن .. (ده كلام ماهوش علينا) .. ومع كل ذلك النفى المتكرر لأية علاقة بين المسرحية وأبطالها وبين الزمن الحالى وأشخاصه سرعان مايخون المعد المخرج حذره عندما يتم التشكيك فى دفاعه هذا فى نفس الإستعراض الغنائى الراقص بالطلب المباشر من مشاهد الحفلة التنكرية (ياللى نايم يكفى غفلة) فالحفلة كلها عن ( طبقة سافلة عاملة قافلة) ، ومع أن ذلك فى زمن المسرحية القديم فانه فى نفس الوقت يترك للمشاهد النايم فى كل زمان ومكان حرية التفكير فى أى طبقة أخرى مشابهة و (سافلة) وأى حاكم آخر مشابه ( ظالم وهلاس) .. وشعرا أيضا .. بعد هذه المقدمة الغنائية الاستعراضية الجميلة والكاشفة ، ومع دخول الحاكم تريزينو (محمد رياض) بادئا بالرد على تصفيق استقبال الجمهور لدخوله الأول ، ليس بالإنحناءة المعتادة ولكن بالتحية النازية المعروفة برفع اليد اليمنى عاليا والتى تصحبها عادة فى السينما جملة (هاى هتلر) دون أن يقولها طبعا ، هنا بدون أى كلمة منطوقة يضعنا المخرج وبطل مسرحيته مباشرة فى مواجهة ما سيتم عرضه الذى لابد أن يتعلق بهذا .. الهتلرى .. فى فصلين يضم كل منهما ثلاثة مشاهد بجانب استعراض فى البداية والنهاية كتمهيد وخاتمة ..             بعد هذه البداية المبشرة والممتعة كلمة ولحنا وحركة والدالة فى نفس الوقت ، كان من المنطقى أن يبدأ مباشرة الحدث الدرامى المكثف والسريع والمتصاعد خلال موقف درامى لم يعد المشاهد فى حاجة الى التعرف على عناصره المختلفة (زمان ومكان وشخصيات) بعد أن أفاض الإستعرض فى التمهيد لها بحيث لم يعد يتبقى سوى المشاهدة لفعل درامى يتم تجسيده على خشبة المسرح ، وهو مالم يحدث على الفور بالسرعة الواجبة التى تحقق المتعة والفائدة للمشاهد والسخونة والتكثيف للحدث الدرامى الذى ظل بطيئا بسبب التعريف الطويل بالشخصيات فى مشاهد شابها الطول واستهلاك الوقت وكان من الممكن اختصارها الى النصف بداية من إملاء الحاكم المستبد على سكرتيره (جميل عزيز) مذكراته عن بطولاته الكاذبة كقائد عسكرى والتى يتستر بها أحيانا لفرط سطحيته للحصول على اعجاب المرأة (فاوستا) التى جاء من أجلها الى هذا المكان البعيد عن مقر حكمه متسترا بافتتاح مشروع لاقيمة له (انا هنا فى الظاهر لإفتتاح مشروع سخيف لا نفع له) ، وكذلك التعريف بقائد شرطته (محمد محمود) وممارساته القمعية والدموية لحماية نظام الحاكم الديكتاتورى الذى لا تمنع كل خدماته المشبوهة للديكتاتور من أن يبلغه بعزله حتى يتخلص من آثار جرائمه ( وجودك الآن صار ضارا بى وعندما اعزلك فانى اعطى للشعب الاحساس بأننى أغير سياستى تسليما بآماله ) ، وصولا الى تهتك بل ورقاعة صاحبات الألقاب الرفيعة من نساء الطبقة الارستقراطية المستفيدة من فساد هذا النظام المستبد ، وكلها ولاشك قد أثرت سلبا على الأهم دراميا وهى المؤامرة التى يفتعلها رئيس الشرطة وجهازه لإيهام الحاكم بانقاذه من مؤامرة كان يمكن أن تودى بحياته لولا يقظتهم فيحتفظ رئيس الشرطة بمنصبه ويزداد الحاكم استسلاما له ولجهازه ، ولا يهم التخلص من أى ثائر حقيقى نقى وبرىء .. ولا الثورة نفسها وأهلها .. وهو ما لا يدركه الثائر الحقيقى فى المسرحية الى أن يموت.


خالد محمود ونجاح حسن

أظن أن هذا هو المهم والذى تتحقق من خلاله بعض المحسنات الدرامية (الإثارة والترقب والتشويق) ، وأيضا إظهار إمكانيات أبطال العرض التمثيلية ولذلك فهو الجدير بالعرض التفصيلى على خشبة المسرح ، وكل مايسبقه من الممكن تكثيفه فى فلاشات سريعة تؤكد المعنى والمغزى المراد من كل منها ولإتاحة الفرصة لتنامى وتطور وتدرج الصراع الدرامى الذى يتحقق من خلاله تغير المصير لأبطال العرض والذى يقوم على تجسيد الثورة وعناصرها المختلفة ويصل الى ذروته فى (الحفلة التنكرية) التى لم يكتب لها الوجود رغم إكتمال كل الإستعدادات كأن الحفلة التنكرية الحقيقية والأهم هى حياة شعب مستباحة فى ظل هذا النظام الديكتاتورى . من ناحية أخرى ، إذا كانت مكانة الجنس الكبيرة فى أعمال مورافيا قد أدت الى وصفه بأنه ( مجنون بالجنس) فان هشام جمعة قد أحسن صنعا بعدم الإعتماد على تجسيد الجنس فى الحفلة التنكرية والذى كان يمكن أن يحوز اعجاب البعض رغم أنه لابد أن يطيح بهدفها النبيل وهو أمر يمكن إدراك صعوبة الإفلات منه فى العرض خاصة وأن شبكة العلاقات بها قائمة عليه فالجنرال يعلن أنه يهوى فاوستا وأنه جاء من أجل اتخاذها عشيقة له وهى تحرص على اثارته للحصول على مكاسب محددة وتتمنع عنه وفى نفس الوقت تلقى بنفسها فى أحضان عشرات الرجال ولا فرق بين غنى وفقير أو بين كونت أو نبيل وجامع كرات الجولف وفق تبريرات مفتعلة عن الحب والحرية .. وكذلك الدوقة التى تكاد تغتصب من يروق لها من الشباب والخدم بينما خادمتها تكاد أن تكون سبيلا متاحا للمارة .. فى القصر .. وجوانبه .. وهى حالات يشكل كل منها فرصة يمكن للبعض أن يحولها الى مسرحية كاملة .. وتلقى عادة استحسان كثير من المشاهدين .. المحرومين .. والذين كانت تنتج بل وتفتعل لهم ما كان يعرف بالمسرحيات .. السياحية .. وهو ما أنقذنا ونفسه منه هشام جمعة بالتسامى عليه وتقديمه فى أضيق الحدود المعبرة والمفيدة لإبراز الأهم وهو المفارقة الكامنة فى العلاقة بين شخصيات المسرحية ونتائجها المعاكسة دائما لتوقعات أصحابها بداية من تصديق الحاكم الديكتاتور لإستتباب نظام حكمه وأنه تكفى قبعته لحكم البلد بينما هو غير قادر على حكم الغرفة المجاورة لغرفته الخاصة بالمرأة التى ينتظر الحصول على جسدها بل وحتى حمام غرفته الذى تدخله العشيقة للتزين للممارسة المنتظرة فتموت على يد الثائر المختبىء وبدلا من أن يتم تزويجها لعشيقها جامع الكرات تنفيذا لخطة الجنرال عقابا لها ، يتم زفافها الى الموت فى مشهد أخير كان يمكن أن يؤدى جمال تنفيذه الى التعاطف معها بالاضاءة والمؤثر الصوتى والحركة البطيئة والزهور حولها وكأنها جولييت المحبة البريئة عكس كل ما تم تقديمه عنها فى المسرحية كامرأة انتهازية متهتكة تتلاعب بالرجال بلا عاطفة تقودها غرائزها الجنسية .. لم يكن غريبا تمكن هشام جمعة الدارس الممارس الموهوب صاحب التجارب المشهود لها منذ أيام الدراسة فى المعهد من توظيف عناصر العرض لتقديم عمل جاد وممتع فكريا وبصريا بداية من ستارة أمامية تل مرسومة تكسبها الإضاءة ، حتى فى وجود إنارة الصالة ، جمالا وربما تهيىء الوانها الزاهية المشاهد للحفلة .. وهو ما يكتمل تأثيره بديكور محمد هاشم بثراء ألوانه ونسبه واحجام بانوهاته منحت الفرصة كاملة للحركة المسرحية وكذلك الإستعراضات والراقصين والراقصات دون إعاقة بجانب سهولة ميكانيزم التغيير ولو يدويا لبعض الوحدات داخل الجانب الواحد بينما فى الخلف مستوى أعلى و(آرشات ) توحى بسور ضخم يليق بمكان يقيم فيه الحاكم المستبد بجانب الحل الذكى بإنارة كتلة صماء كحائط ويكتشف المشاهد انه حائط شفاف من التل خلفه الحمام الذى تتم فيه عملية قتل البطلة والثائر ولذلك لم استغرب شهقة الإعجاب التى سمعتها فى الصالة والتى لم تكن لتحدث بدون إضاءة الفرن المدروسة بعناية والمنفذة بدقة لتساهم فى خلق الإحساس العام بالموقف الدرامى بل ولتعبر عنه فى كثير من الأحيان وبذلك تضافرت مع موسيقى الدارس والممارس المتميز وليد الشهاوى التى أثرت العرض دون تطريب مبتذل أو تزيد .. كما انها لم تكن مصاحبة أو ممهدة لما سيتم عرضه بل أيضا صاحبة دور أساسى فى إذكاء اشتعال الموقف فى الحالات التى تقتضى ذلك بجانب اتاحتها الفرصة كاملة بتنويعات جملها وتعدد نغماتها وايقاعاتها السريعة للمصمم فاروق جعفر لتقديم استعراضات مختلفة الشكل والأثر والوظيفة عن الإستسهال الذى حول الاستعراضات فى العروض المسرحية الى زينة يمكن بل يجب التخلص منها لفرط سوئها حينا وانقاذا للدراما فى معظم الأحيان .. كما أنها مختلفة كذلك عن رقص ( القفوات) .. وهى صفة يسخر بها بعض أهل تصميم الاستعراضات من الشكل المتكرر فى كثير من الرقصات الشعبية عندما يكرر الراقص وضع كفه على (قفاه) مع رفع القدم العكسية للكف .. اليمين مع القدم الشمال المرفوعة والعكس والتى أصابت مشاهد المسرح بالملل بجانب ابتعادها حقيقة عن الفن الشعبى أصلا .. وكذلك ملابس مها عبد الرحمن التى تواصل تميزها فى التخصص بتقديم تصميمات جميلة ومبتكرة وبالالوان والخامة التى تمنح الممثل الفرصة للاقتناع أولا واقناع المشاهد بدوره وهو ما يطلق عليه أحيانا تمكينه من الدخول فى اهاب الشخصية وما أكثر تحققه لشخصيات الحفلة التنكرية المختلفة والمتعددة والمرهقة بلا شك ، وأتمنى أن تجد حلا لأحد الأزياء الذى تعثرت فيه لقاء سويدان .. 

أشرف عبد الفضيل وأحمد يوسف 

         كل ما سبق من عناصر عرض متميزة كان يمكن أن يضيع أو يضعف أثره ودوره والهدف منه مع مجموعة أخرى من الممثلين الأقل نضجا وعلما وفهما وموهبة ، ولكن ورغم سيادة موجة الإستسهال الشديد فى تعامل البعض مع أدوارهم المسرحية ناهيك عن الإستظراف وإستجداء الضحكات المعتادة فى معظم العروض فان الأمر مختلف تماما فى (الحفلة التنكرية ) مع هذه المجموعة الجادة والمتميزة بداية من الممثل المخضرم صاحب الخبرة (تشينكو) محمد محمود الذى لا غني للمسرح عنه ككوميديان يخلق الابتسامة دون مط او اطالة او افتعال وابتذال مهما كانت المغريات على الخشبة أو فى الصالة ولا تستدرجه ضحكاتها ولذلك كان من الطبيعى أن يلتزم بمراحل القوة والضعف التى تمر بها الشخصية وتسخير موهبته لتجسيد التآمر والخداع والمداهنة بل والاستسلام لمساعده المخطط والمشرف على تنفيذ المؤامرة (برو) أشرف عبد الفضيل بإدائه المفاجىء لتوقعاتى القائمة على مشاهدة عمل قديم له منذ سنوات .. فى الحفلة اختلف كثيرا .. هدوء وثقة وحذر ومتابعة تليق بالشخصية الدرامية كمتآمر ومخطط يعمل كآلة متجردة من المشاعر وهو ما نجح فى توصيله ويحسب له كممثل .. وكذلك جميل عزيز (كونتربراس) الذى نجح فى الالتزام بحدود دوره المحاصر بصفته كسكرتير أمين وتابع للجنرال ، بينما كانت الفرصة أكبر أمام (سبستيانو) خالد محمود الذى أظن أنه يصعد الى المسرح لأول مرة منذ تخرجه وبعد أن اكتسب خبرة كبيرة فى الأعمال التليفزيونية التى يخاطب خلالها المشاهد بواسطة كاميرا التليفزيون بينما عليه فى المسرح مخاطبة مشاهد مختلف يجلس فى آخر الصالة وربما يكون نظره ضعيفا وسمعه ثقيلا وهو ما يفرض على ممثل المسرح التعبير بنفس أدواته بأسلوب مختلف يحقق الهدف بجانب تنوع الحالات التى كان عليه الظهور بها كمحب ولهان يطارد معشوقته أو كثورى بالصدفة يبحث عن الإنتقام من سارق العشيقة بنفوذه أو كخادم متنكر لتنفيذ خطة وهو ما نجح فى الوصول اليه بأسلوبه السهل الذى اكتسبه من خبرته التليفزيونية التى لم تتوفر لممثل شاب واستعاض عنها بمخزون دراسته فى المعهد وحماسه الشديد (دوريتيو) محمد سمير الخادم البسيط الذى أصبح جامعا للكرات فى ملعب الجولف والذى تستغله جنسيا سيدات الطبقة الراقية لإشباع نزواتهن التى ينسى خلالها مكانتهن وثرواتهن ونفوذهن ويطفىء اشتعالهن مستمتعا فقط كرجل من الطبقة الدنيا .. وحتى دون أى شعور بالنقص أو الرغبة فى الصعود أو الانتقام لطبقته .. وهو ما نجح فى تجسيده ببساطة ويسر يحسب له ..

أما جميلات الحفلة التنكرية (فاوستا) لقاء سويدان و(الدوقة جورينا) جيهان سلامة و(الخادمة جوستينا) نجاح حسن فكل منهن تستحق إشادة خاصة .. للإلتزام وجمال الأداء .. والصوت والصورة .. المسرحية ..كل منهن فى حدود دورها المرسوم حيث يلعب الإختلاف بين كل منهن دوره فى إبراز الأخر .. فاوستا الجميلة معشوقة الجميع واللاعبة على الإثارة الجنسية لهم وإشباع رغباتها فقط مع من تختاره حتى ولو كان جامع الكرات الخادم الفقير والجاهل الجلف وكذلك الدوقة الثرية المسيطرة والتى تقوم بتسهيل تحقيق رغبة الجنرال فى الحصول على (فاوستا) والتى لا تنسى اشباع رغباتها حتى مع الخدم بصورة سهلة لا افتعال فيها بينما خادمتها (جوستينا) التى لا تقل عنها رغبة فى الرجال ، أكثر انطلاقا بلا حدود مع الحرص أن يكون تجسيد ذلك بدون إبتذال كان يمكن أن يكون طبيعيا من مثلها كشخصية تعيش فى هذا النظام الساقط . وما يحسب لهن جميعا كممثلات نجاحهن الملموس فى تجسيد كل معالم الرغبات الجنسية والإشارات والغمزات دون أى إبتذال يذكر من أى نوع وهو ما يعبر عن درجة كبيرة من التمكن وأيضا الترفع عن إثارة الغرائز التى لم تكن هدفا للشخصية وللعمل ككل بقدر ماكان المستهدف إبراز سقوط وتهتك وفساد النسوة اللواتى يعشن فى ظل هذا النظام المستبد الجاهل .. وإذا كانت بعض الثورات يمكن أن تضيع بسبب غياب القيادة الواعية المستنيرة فإنها من المحتم أن تضيع بسبب استسلام الثورى الحقيقى للفكرة الواحدة والايمان بالشعارات البراقة دون أن يعمل فكره فى معالم وجودها أو تحققها على أرض الواقع وهو ما قد يجعله فريسة سهلة لكل من يسعى الى استغلاله لتحقيق أغراض ليست لها علاقة بالثورة أو الشعارات البراقة بل وربما تكون مفتعلة ومجهضة للثورة نفسها ويدفع الثمن فقط الثورى الحقيقى البرىء الذى جسده فى المسرحية باقتدار وتمكن الممثل الشاب أحمد يوسف

 

محمد رياض ومحمد محمود

(سافيريو) الخادم البسيط الذى جاء الى الحياة اثر علاقة آثمة بين خادمة وأحد افراد الطبقة الارستقراطية ولا يخجل من التعريف بنفسه كابن غير شرعى يؤمن بالثورة وينفذ ما يطلب منه الى أن تموت فاوستا بين يديه عندما حاول اسكاتها بعد اكتشافها لوجوده والقنبلة (الوهمية) فى حمام الجنرال الذى يقتله فيصبح الضحية الثورية الوحيدة فى المسرحية .. استطاع أحمد يوسف تجسيد الشخصية بوجه برىء رغم أنه غامق بعض الشيىء وصوت دافىء هادىء تجمله نغمة حزن تتفق ومراحل حياته البائسة بصورة جعلته يأسر قلوب مشاهديه لذلك أظن أنه عثر على فرصته الأولى الحقيقية لإثبات قدراته كممثل يستحق مكانة أكبر مما وصل اليه حتى الآن .. يبقى الجنرال محمد رياض الذى تابعت معه فى المسرحية ما يمكن أن يصل نضج ممثل عرفت خطواته الأولى ، وهو نضج يثير الدهشة والإعجاب بما يمكن أن تصنعه الدراسة والموهبة والتى يجسدها فى المسرحية أداء منضبط لشخصية جنرال عسكرى مستبد وصوت قوى يتم استخدام طبقاته والأهم جهاز تنفس يتم تطويعه لتوصيل أقل همسة دون أى طرطشة صوتية أو انفعالية حتى فى أحرج اللحظات وما أكثرها التى لابد أن تتفق وطبيعة شخصية الجنرال المستبد الغشوم الذى يتم التلاعب به وبمشاعره من أقرب الناس اليه أومن يظن أنهم كذلك .. بجانب التحكم الكامل فى الذراعين ، وهى المشكلة المتكررة كثيرا مع بعض الممثلين ومنهم ممثلة كبيرة أظن أنها كانت تتمنى أن تكون بلا ذراعين فى العرض المسرحى لذلك كان المخرج يضع لها ما يمكن أن تمسكه بهما سواء من الحبال من أعلى أو حتى تمثال أو أباجورة .. مع محمد رياض رأيت العكس تماما .. الجنرال فقد ذراعه فى الحرب ويتم الإشارة الى عجزه عن لعب الجولف بذراع واحدة واستطاع الممثل المتمكن من تطويع جسده نسيان وجود ذراع ثانية لديه طوال العرض وكان فى ذلك أيضا متوافقا مع حالاته النفسية والعصبية التى يمر بها سواء كجنرال حاكم مستبد أو كعاشق متيم مخدوع يكتشف تمنع المعشوقة عليه بينما هى متاحة للجميع وبينهم الخدم .. وهو انكسار طوع كل امكانياته لتجسيده بنجاح سيظل أحد علاماته على المسرح .. فى النهاية أتصور أن عمل مثل (الحفلة التنكرية) لم يكن ليكتب له الظهور بهذا المستوى المشرف فى ظل الظروف الطاردة للإبداع والإجتهاد لولا تضافر جهود كل من سبق ذكرهم ايمانا بصدق رؤية مخرج متمكن مشهود له بالكفاءة مثل هشام جمعة ولذلك أتصور أنه يمكن تخليصه من بعض الإطالة وفقدان الإيقاع أحيانا لتكتمل المتعة البصرية والفكرية للمتلقى الذى أعتقد أنه طال شوقه لمثل هذه العروض .

                                                                                 د. حمدى الجابرى