دنيا المسرح

سكرتيرة برنارد شو تكتب قصة ثلاثين عاما معه!

 

عندما  تلقت(مس باتش)دعوة برنارد شو لتكون سكرتيرة له تملكتها الدهشة.. فقد كانت  مؤهلاتها لا تعدو ما تلقته من صديقة لها في الكتابة على(الآلة الكاتبة)ولم تكن سرعتها في(الاختزال(مناسبة.. وكانت تعمل إذ ذاك سكرتيرة لطبيب لا  يطالبها بالاختزال.

فلما أجابت على دعوة شو بأنها غير مدربة على عمل السكرتيرة، وأنها لا تريد أن تتخلى عن عملها الحالي إلى عمل قد تكون غير لائقة له.. أجابها شو:

(هل ردك هذا نهائي؟ إن كثيرين أقل منك كفاية استطاعوا أن يتفهموا عملي.. إذا كان هو السبب الحقيقي.. تعالي!

(أما عن الاختزال فأنا لا أملي، وأنا أكتب ما أريد مختزلا، وعليك ان تحوّليه إلى الكتابة العادية على مهل.. وعلى هذا فلن أقبل منك(لا(للمرة الأولى وإني في انتظار(لا(للمرة الثانية.. أو نعم.

وهكذا قبلت الآنسة بلاتس باتش مؤلفة الكتاب العملي، وظلت سكرتيرة لشو طوال هذه الأعوام ولم يندم شو في يوم من الأيام على هذا الاختيار.

ولما سألته في إحدى المناسبات عن اختياره لها وهي لا تحمل درجة علمية أو جامعية أجابها:

(لو كنت من خريجات الجامعات لما صلحت لي.. إذ لا أمل في الحصول على درجة علمية من(أكسفورد(في(العلوم)إلا إذا كان المرء متخلفا مئة عام... وفي(التاريخ)سبع مئة عام..

وبدأت السكرتيرة عملها في المنزل نمرة(10 ادلفي تيراس)وفيه كان مقام زوجته(شارلوت)منذ زواجها به عام 1868 ولم يكن بهذا السكن غرفة للحمام، وكانت زوجته تستحم في طشت في غرفتها مثل نساء العصر الفكتوري، حتى الملكة فكتوريا نفسها..

وبعد بضع سنوات أصبح البناء في خطر التداعي. فانتقلوا إلى(هوايتهول كروت) بإيجار قدره ألف جنيه في العام ولكن الفكرة التي استبدت به عن الضرائب عقب الحرب العالمية الثانية جعلته يتوهم من أن دخله أصبح لا يكفيه، وانه أصبح على شفا الإفلاس، فقرر عام 1949 ان يقيم في غرفتين مفروشتين بمبلغ 265 جنيها، وباع كافة متعلقاته بالمزاد العلني غير مبقٍ على شيء حتى تمثال صديقته لادي استور التي أبرقت إليه حين علمت تقول:(هل ستعطيني التمثال، أو أشتريه؟) عند ذلك أخرجه شو من قائمة المزاد وأرسله إلى معهد لادي استور في دائرتها الانتخابية.

ولقد باع(شو)كل شيء حتى كتاب ويلز:(موجز تاريخ العالم)الذي أهداه إليه بالعبارة الآتية:(إلى ج. ب ش. كي يهذّب عقله ويقوّمه)

قرية المعمّرين

وكان شو وزوجه يقضيان آخر الأسبوع دائما في منزلهما بالريف في أيوت طوال الأربعين عاما الأخيرة، والقصة التي يتناقلها الناس عن سبب اختيارهما لهذا المنزل لها أساس صحيح.. لقد صادفا مقبرة في طريقهما خارج لندن مكتوبا عليها:(ان صاحبتها ولدت في 1815 وماتت عام 1895.. حياتها كانت قصيرة)عند ذلك صاح برنارد شو:(هذا هو المكان الذي يصلح لي).

وكان المنزل في قرية هادئة منعزلة عن العمران وكانت الأيام تمر هناك في تشابه ممل رتيب على الآنسة باتش حتى أنها حين سألها شو قبل ان يؤول المنزل إلى الحكومة ما إذا كانت ترغب في الإقامة فيه بعد وفاته فلم تستطع القبول،لأنه في رأيها يكون نفياً لم أعتد حياة المدن.

وأثناء الغارات الألمانية في زمن الحرب الماضية كان شو يجلس إلى البيانو ويعزف موسيقى الأوبرات الإيطالية ويرافق العزف بالغناء.. ولقد سقطت قنبلة مرة فأتلفت عددا من رواياته المعدة للتوزيع ولكنه كان قد أمّن عليها، فصرف له التعويض النقدي عنها.

برنامج العمل

وكان إذا جلس للكتابة يكره الزائرين.. فترى على مكتبه الحبر الأحمر، والدبابيس،الصمغ:(والمنبه)وكان يكتب بالاختزال ويصحح بالحبر الأحمر، أو يكتب التصحيح على ورقة يلصقها على الجزء المراد تغييره وكان (المنبه) يلفته إلى موعد الغداء، ولكنه قلما نبهه إلى ذلك!

.. وفي العاشرة يبدأ العمل اليومي، ولم ينقطع مرة عن الاستمرار فيه إلى الواحدة.. وقت تناول الغداء، وكان يستريح بعد الظهر، ويبدأ العمل في السادسة لمدة ساعة قبل العشاء، الذي كان يحرص قبله على ان يبدل ملابسه بملابس قاتمة وكان يأوي إلى فراشه في الحادية عشرة، أما بعد وفاة زوجته حين عاد إلى حياة العزوبة كما يقول، فكان يستأنف الكتابة في غرفة الطعام أو يطالع، أو يستمع إلى المذياع وقلما ذهب إلى فراشه قبل منتصف الليل.

وأول قصة مسرحية كتبها إلى السكرتيرة الجديدة هي:(جان دارك(. وكثيرون يعدونها أفضل مسرحيات شو، ولكنه أجاب حين سئل: أي رواياته أفضل وأخلد فقال:(إنه سوف يدلي برأيه في ذلك يوم القيامة)!
المؤلف والممثل

وكان شو يكتب مسرحيته بالاختزال، ولم يكن يعدل في كتابته كلمة واحدة، ثم يرسل ما كتب إلى سكرتيرته فتجري إعادة كتابتها بالطريقة العادية على الآلة الكاتبة، ثم يراجعها، ويرسلها إلى المطبعة مباشرة، وهو يكتب على ورق مسطر أخضر اللون لإراحة البصر، ويقدر ما يكتبه في فترة الصباح بألف وخمس مئة كلمة، وتتم كتابة مسرحية كاملة طويلة خلال شهرين.

وكان شو يحفظ عدد الكلمات التي كتبها في كل مسرحية.

ولم يكن يسمح لإنسان أن ينقل (فاصلة( من موضعها أثناء الطبع، وكان يصحح(بروفاته)بنفسه فإذا تم طبعها أرسل منها خمسين نسخة إلى المسرح الذي ستمثل الرواية فيه، وكان يحضر مع الممثلين بنفسه حتى في سنه المتقدمة وكان يرى ان الإخراج نضال بين الكاتب المسرحي، والممثلين وأن المسرحية يجب ان تؤدى كما يصورها الكاتب أثناء قيامه بتأليفها.  وكان له رأي سديد في اختيار الممثلين اللائقين لأدوار رواياته.

رحلاته
وفي الوقت الذي كانت زوجته تميل فيه إلى الطواف حول العالم كان هو ينفر من الأسفار ويود لو بقي في مكتبه أو في منزله لا يغادره.. وكانت إذا سافرت معه تأخذ معها قائمة مكتوبة من صور شتى، بالألوان النباتية التي يأكلها، فقد كان لا يأكل اللحم، ولا الطير، ولا السمك ولا يدخن ولا يشرب الشاي أو القهوة أو الخمر وكانت زوجته تأكل كل شيء.. فإذا ركبا السفينة أو نزلا في فندق سلمت القائمة إلى إدارة المطعم لإعداد الألوان المناسبة له.

وفي أثناء رحلة في جنوب أفريقيا، كان يقود سيارة لصديق له، يركب إلى جواره، ولم يكن قد ألف قيادة هذا الطراز من السيارات، وكانت زوجته مع حقائبها تجلس في المقعد الخلفي، وفي أثناء السير ضغط  بقدمه خطأ على موضع البنزين وكان يجب ان يضغط على الفرملة ليوقفها، فقذفت السيارة في اندفاعها زوجته على الأرض وسقطت عليها الحقائب، وكان لابد ان تبقى في مصحة حتى تبرأ من جراحها، فجلس في هذا الوقت يكتب مسرحيته، مغادرة البربرية في البحث عن الله، وهي مؤلفة من 17 ألف كلمة، ثم استقلا الطائرة من جنوب أفريقيا ليلحقا بالسفينة في طريقها إلى مرسيليا وكانت هذه هي المرة الأولى التي تركب فيها زوجته الطائرة وكانت في السابعة والستين.
شو ولورنس

وكان أول لقاء لشو مع الكولونيل لورنس المعروف في بلاد العرب في الحرب العالمية الأولى حين حضر مع السير سيدني أمين (متحف كمبردج) لشراء رسم لبرنارد شو من ريشة الرسام الإنجليزي الشهير (أغسطس جونش) وكان قد اطلق عليه(الفيلسوف النائم(.. فالتقيا وجلسا معا قليلا من الوقت ثم اصبحا صديقين من اللحظة الأولى، فلم يمض وقت حتى بعث لورنس إلى شو بكتابه(أعمدة الحكمة السبعة(وهو مؤلف من 200 ألف كلمة على أمل أن يطلع عليه شو ويخبره برأيه في قيمته، فارتاع شو في أول الأمر لضخامة الجهد، وقلة الوقت، ولكنه أقدم على قراءته، وفي أشهر ثلاثة، أتمه وأرسل إلى لورنس يقول له:(انه كتاب عظيم(، ونصحه بحذف المقدمة.. فلما بدأ في طبعه، عاونته زوجة شو في ذلك وتوثقت العلاقة بينه وبينها وظلت وطيدة إلى يوم وفاته، فكان يرسل إليها بكتبه، ليستطلع رأيها، ويهتدي بنصحها، وكان من ناحية أخرى يقترح على شو بعض الأفكار، فاقترح أن يكتب مسرحية من(فينوس والاونيس(فأجابه بأنه وفي هذا الموضوع في مسرحيته(الإنسان والإنسان الأعلى(فلما اقترح عليه تخليد بطولة الزعيم الايرلندي(كمنت)الذي شنقه الإنجليز بتهمة الخيانة العظمى، في مسرحية من مسرحياته، أجاب بأن الثورة الايرلندية بمثابة شجار في ركن من العالم، وان كيمنت في نظره لا يعدو ان يكون شبيها لزعماء العصابات في شيكاغو).

ولقد اختار شو شخصية لورنس في احدى مسرحياته، اصدق من ان يجود في دور جندي مراسل  في المخابرات بدلا من ضابط مخابرات وكان التعديل بناء على اقتراح لورنس.

وكان لورنس قد وصل إلى مرتبة كولونيل في وزارة المستعمرات ولما انتهت الحرب اصبح متعطلا فحاول شو المستحيل مع(بلدوين(وماكدونالد لكي يحصل له على معاش فلم يوفق، وأخيرا ساعده على الالتحاق بوظيفة ميكانيكي في سلاح الطيران البريطاني.

وسافر لورنس بعد ذلك إلى كراتشي بالهند وعاد إلى إنجلترا أثناء طواف شو وزوجه حول العالم، وقد علما أثناء رحلتهما نبأ الحادث الأليم الذي أدى إلى وفاته، وهو يقود مونوسيكلا.

شو والبانديت نهرو

ولما علم شو بوجود نهرو في لندن ربيع عام 1949، وكان لم يره من قبل، دعاه إلى مقابلته في الصباح، مخالفا بذلك القاعدة التي سار عليها طوال حياته في استقبال الزوار في المساء.. ولما تقابلا طرقا موضوعات شتى: من الديانة الهندية إلى عدد من ثمار(المانجو).. التي يستطيع المرء ان يلتهمها..
وقال شو لنهرو إنه عجب في زيارة له لمعبد(جين(في الهند حين وجد ان بعض الناس مازال يعبد الأوثان المجسمة على شكل الحيوان فمن الذي جاء بها إلى الهند؟(فأجاب نهرو بأن اللاجئين اليونان قد صنعوها كي يرمزوا بها إلى آلهتهم في بلادهم.(ودار حديث حول روسيا واحتمال نشوب الحرب، فكان من رأي نهرو ان الروس غير مستعدين للحرب فوافقه شو، وأضاف: ان القنبلة الذرية لن تستخدم مثل (الغازات) في الحرب الأولى،اذ أنها سلاح ذو حدين.

شو ومونتكمري

وعندما كان الرسام أغسطس جونس، يرسم صورة لمونتكمري أبدى له رغبة في مقابلة شو فاتفقا على ان يرسلا، إلى شو السيارة فيحضر وكان الحديث بينهما ودياً ولم يفض شو إلى بانش بشيء مما دار بينهما ولكن (بيرسون) في كتابه الذي صدر الشهر الماضي سأل شو عن حديث مونتكمري إليه فأجاب:
أنا الذي تحدثت طوال الوقت، لقد طلب الجنرال رأيي في الجنرالية الإنجليزية، فقلت له لا يوجد شيء يسمى الجنرالية الإنجليزية، لا يوجد سو هيج ومونتكمري، ثم قلت له يوجد نوعان من الجنرالات.. هؤلاء الذين اتبعوا القواعد، وأولئك الذين حطموها أعني القائد المحترف والهاوي نابليون،

ولينجتون فلمح مونتكمري بانه مثل ولينجتون قد وضع قواعده بنفسه أثناء قيامه بعملياته، ثم قال انه يتمنى ان يرى الحرب قد ألغيت.

بريد شو

وكانت الرسائل تترى على شو بالآلاف من أنحاء العالم، فكان يترك الرسائل العادية لسكرتيرته أما الخاصة فيكتبها بخطه وقت فراغه، وكان يعتقد بأنه لولا هذه الرسائل لأمكنه تأليف عشرين رواية أخرى وكان يقول: لو كانت هذه الرسائل في عصر شكسبير لقلّ إنتاجه كثيرا.

شو والأمريكان

وكان لشو رأي في الأمريكان والحق أنه لم يكن يكرههم، بل على العكس كان معجبا بروح التجديد فيهم مثل إقدامهم على إصلاح الهجاء في اللغة.. ولو انه كان يصرح بأن 90% من الأمريكان حمقى.
وكان رواج رواياته في أمريكا كلها يدرّ عليه مالا وافرا.. لقد أرسل له بعض مديري المسارح نصيبه من الأرباح(صنفا عينيا(بدلا من العملة النقدية فقد كان لمدير المسرح مزرعة يربي فيها الخنازير فأرسل له بقيمة الأرباح(لحم خنزير(فكتب إليه يقول:

ألست تعلم أني نباتي؟

شو وآينشتاين

دعا شو آينشتاين إلى حفلة غداء كان فيها عدد كبير من العظماء وتكلم شو وأذيع الخطاب في أمريكا، وكان مما قاله لآينشتاين أنه(لخبط(العلوم الطبيعية فردّ عليه آينشتاين بقوله:

(وماذا يهم؟ إن ذلك ليس من شغلك).

وفي خطابه الذي أعده لذلك الحفل، وصف آينشتاين بقوله إنه عظيم بين عظماء، وإذا كان نابليون وأمثاله قد شيدوا إمبراطوريات، فان آينشتاين من طائفة قد شيدت عوالم دون ان تتضرج أيديهم بدم بشري.

ورد عليه آينشتاين بالألمانية قائلا:(إن ما عمله مستر شو لا يقدر على النهوض به غير فنان مطبوع.. فمن صندوق لعبه قد أخرج لنا دمى لاعداد لها، تشبه الناس، ولكن ليست من لحم ودم، هي من روح، وفطنة ورشاقة.. فاذا امسك المرآة أمامنا استطاع المستر شو أن يحررنا، وينتزع منا بعض أعباء الحياة).
رجل الأعمال

ربما كان رجل الأعمال من أغبى الناس في ما ينطق بالأرقام، وكان شو من هذا الطراز، فهو وإن كان في صباه ماهرا في جمع الأرقام إلا انه مع تقدم السن اصبح غير واثق من نفسه، لقد بدأ حياته محاسبا ناجحا حتى ان مرتبه طفر من 18 جنيهاً إلى 48 جنيها في العام.

كان لا يأبه ولا يهتم بالمال، ولذا كان يود ان يتاح لكل فرد نصيب مساو للآخر.. انه لم يلتفت إلى الزيادة التي طرأت على المعيشة، وحالة الغلاء التي سايرت الحرب واستمرت في أعقابها.. وكان يقيس كل شيء حسب المستويات التي كانت عليها الحاجات قبل الحرب.

وعندما ماتت زوجته وكان عليه ان يراجع حسابات المنزل أرسل في شراء آلة حاسبة ليستخدمها في جمع الأرقام التي لا يستطيع معالجتها بنفسه.

ولقد استبدت به أخيرا فكرة ضريبة الدخل حتى اصبح يعتقد واهما انه يدفع عن كل مئة جنيه من دخله مئة وسبعة وأربعين جنيها للحكومة، فأخذ في الاقتصاد الشديد في ملبسه ومظهره.

عمى الألوان

مرت بشو طائفة قليلة من العوارض والأمراض خلال حياته الطويلة. أهمها الجدري وهو السبب المباشر الذي جعله يطلق لحيته، ولا يجسر على حلقها.

وظل طوال حياته يتمتع بصحة طيبة، وذاكرة قوية وخط واضح حتى قارب التسعين ثم بدأ خطه يهتز قليلا عقب ذلك وان ظل ذهنه يقظا، وتصوراته لما يكتب اكثر من ذي قبل وكان سمعه قد ثقل قليلا، وكان نظره جيدا نسبيا، وكان لا يلبس النظارة إلا حين يطالع، واتضح انه مصاب بعمى الألوان حين أرسلت له احدى المعجبات(ملحفة(صوفية خضراء، وطلب من سكرتيرته ان تكتب اليها طالبة غيرها تكون اقل خضرة في لونها، فراجعته السكرتيرة، ان لونها ازرق، فلم يقتنع حتى أيدت الرأي صانعة الملحفة.
وأصيب شو بمرض الأنيميا، فاقتضى الأمر ان يحقنه الأطباء خلاصة كبد الخنزير، فسقط شو مغشيا عليه أثناء إجراء الحقنة الأولى مما استدعى تناول الدواء بالفم مرتين يوميا.

ولم يكن شو نباتيا متعصبا، فلما وصفوا له الدواء استسلم للأطباء وأطاع أمرهم، مع انه كثيرا ما لذعهم بنقده..

وشو في حالة المرض يكون هادئ  النفس، ولعل هدوء نفسه من أسباب طول عمره.

انه لا يتفق مع النباتيين في ان غذاءهم الخاص له الفضل في ذلك فهو يقول:(ان الصحة من عمل الحكمة(، وحكمته في الغداء هي ان يأكل ما يرغب فيه واذا لم يجده قنع بدونه، وكان وزنه لا يزيد.
رآه هتشكوك وكان بدينا فقيل:

- من يراك يا مستر شو يعلم بأن هناك مجاعة في البلد.

- ومن يراك يا مستر هتشكوك يعرف من السبب فيها.

وهو وإن كان يقول بأننا اذا لم نقتل الحيوانات فإنها تقتلنا،وهو يعد أكل اللحوم، ترفا خبيثا، وكان يرى ان إطعام الطلبة في المدارس لحوماً إسراف سخيف، بل وتحريض لهم على الذبح وسفك الدماء.
فدعوا له لحما في مطعم من المطاعم فلامهم على ذلك وكان رد السفرجي ولكنك ترتدي في قدميك حذاء جديدا أعني انك تستخدم جلد الحيوان!

مظاهر الحياة

ولم يكن لأمور الدنيا البراقة سحر على شو، فلم تفتنه الألقاب، عرض عليه رمزي ماكدونالد اقتراحا يمنحه(وسام الجدارة(فأجابه بأنه قد منحه لنفسه من زمن، فلما اقترح عليه ان يمنح لقب(شير(قال له انه لا يقنع  بغير لقب(دوق(وهذا ما لا تستطيع موارده المالية ان تنهض بتكاليفه، ولما عرضت عليه جائزة نوبل للآداب عام 1925 رفض(الشيك(وقال: ان قرّاءه وكتبه ونظارة مسرحياته قد كفلوا له النهوض بمطالبه، ورأى ان يخصص المبلغ لتوثيق الروابط الأدبية بين البلدين، وقال: ان بريطانيا تستورد الورق من السويد، ولكنه ورق غير مكتوب، كأنما صنع للف التفاح الأسترالي فقط.. إننا نستورد اهم واردات السويد التي هي آدابها.. والتي نجهلها في بريطانيا جهلا محزنا..)

ولكنه عند بلوغه السبعين قبل اللقب الشرفي بأن يكون مواطن بلدية دبلن.

صراحته مع الملكية

وكان صريحا في التحدث عن ملوك إنكلترا، فعندما جلس الملك جورج السادس على عرش إنكلترا، اقترح أن تؤلف(جمعية للرفق بالشخصيات الملكية).. ولقد أيد زواج إدوارد الثامن من مسز سميسون وعدّ هذا الزواج بمثابة(ضربة معلم(في الدبلوماسية.

وانتقد الملك جورج الخامس، وقال انه دل على ذوق متواضع حين ذهب لحضور حفلة سباق الخيل، وتخلف عن افتتاح المسرح التذكاري لشكسبير في سترافورد، وعلق على إنجاب الأميرة إليزابث للبرنس(تشاراز(بالأسف.. اذ حالت ولادة الأمير دون إمكان ارتقاء الأميرة ماركريت للعرش، اذ في رأيه ان الابن الثاني للملك يكون أفضل دائما من الولد الأكبر ودلل على نظريته بالملك جورج الخامس، وجورج السادس.

غرامياته
ان صبواته الشهيرة لم تكن غير مغامرة اللاعب فلم تتجاوز علاقته بالممثلة اللن تري اوبيسنت او كاميل أبعد من تبادل الرسائل.. انه كان يتحدى الأوضاع نظريا ولكنه يخضع لها، ويسير بمقتضاها واقعيا.
إنه يروي منذ ان اختلت به في شبابه امرأة، وطوقته بذراعيها وهو يخاف من الاختلاء بالمرأة حتى آخر أيامه.
ويروي الطريقة التي تزوج بها فيقول انه كان طريح الفراش مصابا في قدمه فدخلت عليه شارلوت وطلبت إليه الانتقال إلى منزلها كي ترعاه فاحتج على ذلك قائلا

اذهبي واحضري قسيمة زواج.. ان من المستحيل لامرأة في مثل مركزك ان تؤوي رجلا بمفرده في منزلها!

لم يقل كل ما يريد

إن شو كان يقرأ كثيرا، لا لتزجية الفراغ، ولكن لكي يعد المادة الخام التي تلزم لعمله الكتابي، بغية إخراجها للناس فناً يقرأ.

وان شو ما كان يكتب جملة مما كتب لولا إيمانه بأنه أداة لهدف أسمى..

وقد لا يعده الناس فيلسوفا، أو رسولا، أو مفكرا ذا أصالة، ولكن أشد ناقديه وألدّ خصومه يعترفون له دائماً بالذكاء والعظمة والبداهة، بل يعترفون له أيضا بأنه سيد النشر الإنجليزي غير منازع.
وحين أحسّ بالموت، بعد ان بلغ هذا العمر الطويل لم يكن آسفا على جورج برنارد شو الإنسان الذي ملّ الحياة، ورغب في الذهاب، ولكنه كان آسفا،لأن الوقت كان يلاحقه، ولا يترك لقلمه الفرصة ليقول ما كان يرغب في أن يقوله!

آخر ساعة / آذار- 1951

المدى 28-03-2016

أنت هنا: دنيا المسرح دنيا المسرح قرأت لك سكرتيرة برنارد شو تكتب قصة ثلاثين عاما معه!