دنيا المسرح

أمريكا وماسورة المهرجانات العربية !

د. حمدى الجابرى

منذ أن حلت بركات مايكل كايزر على المنطقة العربية انفجرت فيها ماسورة المهرجانات الراقصة والمسرحية والغنائية والموسيقية والسينمائية وأية مهرجانات أخرى تحمل الكثير من الشعارات البراقة حول السلام والتآخى بين الدول والبشر وطبعا حقوق الانسان وتمكين المرأة ورعاية الشباب في كل المجالات ..

وأظن أن البعض قد سمع باسم مايكل كايزر .. وحتى لا يسيىء أحد الظن بالمذكور نبادر الى القول أنه مجرد موظف أمريكى شاءت الأقدار  والمنظمات الأمريكية أن يكون مديرا لمركز جون كينيدى الثقافي الذى يضم الكثير من الأنشطة الفنية .. عروض ومهرجانات ومعارض وغيرها .. وتأكيد أنه مجرد موظف لابد أن يشير بالضرورة الى أنه (عبد مأمور) لمنظمات حكومية وأهلية وهيئات وأفراد تدعم هذا المركز بالمال والأفكار والخطط .. وعليه تنفيذها لتحقيق الهدف من انشاء المركز أصلا ..

بعد زيارات المذكور للمنطقة العربية قبل عام 2010 توصلت العبقرية الأمريكية الى ضرورة تعليم العالم العربى أهمية التواصل والتآخى والتواصل مع الآخر من خلال اللقاءات والعروض والمهرجانات الفنية .. وبالفعل بدأ هناك مايسمى مهرجانات تعريف المواطن الأمريكي بالنشاط الثقافي في العالم العربى من خلال استقدام فرق فنية تمثل مختلف مجالات الابداع العربى لتقديم عروضها في المركز في أمريكا .. الأهم والأخطر والأكثر تأثيرا علينا وليس عليهم هناك هو اهتمام المركز باستقدام شباب من المبدعين العرب للتعرف على أسلوب عمل المركز الثقافي وتزويدهم بالمعلومات والخبرات اللازمة لانتاج وتسويق الأعمال الفنية المختلفة بهدف اعدادهم للقيام بنفس دور المركز الأمريكي في بلادهم .. وبالطبع بقاء شباب العرب هناك في دورات متعاقبة وملتقيات ولقاءات وندوات وموائد مستديرة أو مربعة ولمدة أكثر من شهر سنويا ومراجعة ماتعلموه ومدى نجاحهم في تطبيقه في بلادهم لابد أن يكون له أثره في إثرائهم بكثير من المعارف والمعلومات حول تخصصاتهم المختلفة وبالمرة توسيع مداركهم بالتعرف على ثقافة الآخر الأمريكي وغيره والذى أظن أنه لن يصبح مجهولا بعد فترة من الوقت ..

وإذا كان قد تم صرف أكثر من عشرة ملايين دولار على مهرجان واحد عام  2009 الذى شارك فيه مئات من الشباب العرب وفرقهم الفنية المسرحية والموسيقية والراقصة فانه لن يكون من المستغرب أن تظهر خبراتهم المكتسبة هناك في نقل تلك الثقافة والخبرات الجديدة الى بلدانهم لذلك لن يكون هناك محلا للدهشة بسبب انفجار ماسورة المهرجانات المسرحية والسينمائية والفنون الشعبية فى العالم العربى بعد جهود مايكل كايزر ومركز كينيدى سنتر ومهرجاناته ..

وبالطبع هنا لا محل للإشارة الى طبيعة ما يتم تقديمه من عروض أي محتواها وأهدافها التي لابد أن تتوافق بالحتمية والضرورة مع ما يسعى المركز الأمريكي لتحقيقه من أهداف معلنة عن التواصل والتآخى والتفاهم والتواصل والسلام ونشر المحبة بين البشر .. عرب أو أفارقة أو أمريكان أو أية جنسيات أو ديانات أخرى .. والأخرى هذه لابد من أن تكون في الاعتبار خاصة اذا كانت واحدة منها قد تم استبعادها بشكل شبه تام من الأعمال المسرحية العربية بعد أن كانت لا تخلو منها وأفعالها وأخطارها وآثارها وأهدافها معظم الأعمال المسرحية العربية قبل حرب 1973 وبعدها في كل أنحاء الوطن العربى و.. مهرجاناته .. ولعل اشهرها زهرة من دم والنار والزيتون ووطنى عكا ..

وبالطبع لكى يتم نجاح الأمر ولتحقيق أهدافه المعلنة أو الخفية ، كان لابد من تشجيع وتأكيد ظاهرة المهرجانات في العالم العربى بتعددها في مختلف المجالات فمثلا في المسرح كانت المهرجانات العربية تتركز فقط تقريبا في مهرجان واحد في بعض البلدان العربية مثل مهرجانات دمشق وبغداد وقرطاج والقاهرة وغيرها ولكن بعد انفجار ماسورة المهرجانات أصبحت هناك عشرات المهرجانات في كل بلد وفى مختلف المجالات المسرحية وغيرها .. وهذا في مجال المسرح مثلا يعنى ظاهريا وجود حركة مسرح نشطة ومنتجة يتم تقديم خلاصتها في كل مهرجان ، ولكن الحقيقة لم تكن كذلك على أرض الواقع اذ رافق هذه الظاهرة المهرجانية الجديدة اختفاء الإنتاج الحقيقى الجاد والهادف ليحل محله جهود متفرقة تتستر وراء ابداعات الشباب خارج المؤسسات الإنتاجية الحكومية الرسمية وداخلها ولذلك اختفى بالتدريج ماكان يسمى بالموسم المسرحى وهو ما يعنى اختفاء الخطة السنوية للإنتاج المسرحى بعد أن سادت العروض التي تقدم خصيصا للمشاركة في المهرجانات الكثيرة المتتابعة في البلد العربى الواحد والمتكررة في بلدان عربية أخرى دخلت حلبة المنافسة المهرجانية فأصبح يوجد في العالم العربى مسرح للمهرجانات وليس مهرجانات للمسرح .. وبالطبع من المنطقى أن يصاحب ذلك عشوائية لازمة في ظل غياب الخطط الإنتاجية ذات الأهداف الواضح دورها في بناء الانسان والوطن العربى ، وكذلك ابتعاد الكبار عادة عن المغامرة بالمشاركة بأعمال لن تصمد أمام اللهاث المهرجانى ومتطلبات الإنتاج الشبابى السريع المتلهف على السفر والمشاركة في المهرجانات العربية المختلفة والكثيرة .. بجانب شك البعض  - ولهم العذر- في حقيقة النوايا الخيرة أو الشريرة لبعض المنظمين العرب لهذه المهرجانات ..

واذا كان السيد كايزر ومركز كينيدى بتكلفة ملايين الدولارات في مهرجان واحد ضم أكثر من 800 مبدع عربى شاب قد بدأ وهيأ ونظر وقعد وقنن ووجه وعلم ونشر وعرف العرب بما يجب أن يكون عليه توجه الشباب العرب المسلح بالمعرفة والخبرات الأمريكية التي تلقاها في مهرجانات كينيدى سنتر وملتقياته وموائده المستديرة وورشه التى لابد أن يكون لها أثرها على طبيعة ومكونات وبالتالي أهداف الابداع الثقافي العربى وفق الدرس الأمريكي في كينيدى سنتر فانه على العرب أنفسهم وفق نفس التخطيط والدرس الأمريكي التواصل من خلال المهرجانات مع بعضهم البعض لتحقيق التعارف وتبادل الخبرات والمعارف العربية لزيادة الفائدة للعرب .. على حسابهم الخاص .. خاصة وأنه لديهم الأموال  اللازمة لتغطية التكاليف اللازمة لهذه المهرجانات وبالذات في بعض دول الخليج ..

صاحب ذلك التخطيط والتنفيذ الأمريكي الهادىء ، وبعد أن تأكدت فعالية التوجه الثقافي الجديد ومهرجاناته ، تنازل أمريكى أوروبى مشبوه عن الهيئة العالمية للمسرح .. للأثرياء العرب محدثى الثراء والثقافة والتجربة المسرحية .. فهم الأقدر ليس فقط على الصرف عليه بالملايين ولكنهم الأقدر أيضا على تدعيم تقديم المنتج الثقافي والمسرحى وفق المواصفات الأمريكية التي تم حقنهم بها في كينيدى سنتر .. في مهرجانات يتم الصرف عليها بالملايين ليس في بلادهم فقط بل في كل أرجاء الوطن العربى وبالذات في البلدان التي تفتقر الى هذا النوع من المهرجانات كما تقول منشورات الهيئة العربية للمسرح التي تكفلت بالتنفيذ حتى في البلدان التي توجد بها مهرجانات .. قديمة وراسخة وكانت مستقرة قبل ظهور مايسمى .. بالربيع العربى !

ولضمان نجاح التنفيذ تقوم هذه الهيئة عبر لجان شبه سرية باختيار العروض المشاركة في مهرجاناتها في مختلف البلاد العربية وتؤدى عادة الى كثير من المشاكل والخلافات المسرحية بل والسياسية في بعض الاحيان، وأيضا تتكفل بإستئجار الجمهور لهذه العروض بإستضافتها لأكثر من 400 – 500 شخص من المهتمين بالحركة المسرحية أو من يدعون الاهتمام بها للمشاركة والإستمتاع بخيراتها ومكافآتها الدولارية وبالتالي يصبح كل منهم بدوره ، ولضمان استمرار النعمة ، من المدافعين عن ولى النعم وأنشطته ..

واحقاقا للحق فاق التلميذ العربى استاذه الأمريكي في التنفيذ عندما اجتهد وابتكر وأضاف مايثرى التجربة ويجعلها أكثر اقناعا درءا للشبهات من خلال ملحقات إعلامية دعائية ، مواقع ومجلات قديمة ومستحدثة ، وكذلك كتب مطبوعات مسرحية يعرف أكثر الناس انها حبيسة المخازن ليس فقط لعدم وجود خطة تسويق فعالة ولكن أيضا لهزال وضعف أكثرها خاصة التي لم يعرف أصحابها أن ماطلب منهم كتابته كان للنشر .. ككتب ..

تبقى الإشارة الى عدم إدراك بعض هؤلاء الأثرياء العرب الى أن خطط كينيدى سنتر لم يكن لها أن تنجح في بلادهم نفسها إذا لم يسبقها وجود فعلى للمركز نفسه .. كمبنى .. وكان يمكنهم إثبات نبوغهم في تقليد الأصل الأمريكي وقدرتهم الفائقة على تحقيق أهدافه بإنشاء مقرات ومبانى ومسارح وقاعات في البلاد العربية الغنية أو الفقيرة لتكون مراكز ثقافية تبقى مثل مركز كينيدى سنتر نفسه ربما لأنهم أول من يعرف وكذلك الأمريكان أن استمرار الحال .. المتردى والتابع والمتخاذل والراكع الذى يصورون لأنفسهم والناس انه ناجح ورائع .. من المحال .