دنيا المسرح

(صلاح الدين) الإنسان

 

د.شاكر مصطفى

 



 

  (صلاح الدين) الإنسان

حياته حتى سنة 560 هـ:

في ثمانٍ وعشرين صفحة كبيرة يرسم القاضي بهاءُ الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن شداد صورة صلاح الدين الإنسان في مطلع كتابه الذي كتب فيه سيرته (النوادر السلطانية والمحاسن اليُوسُفِيَّة)، هذا القاضي كان لصيقًا بصلاح الدين في السنوات العشر الأخيرة من حياته لا يفارقه ليلاً ولا نهارًا، وكان معه في مرضه الأخير وعند وفاته، فالصورة إذًا أصدق الصُّوَرِ في رسم ملامح هذه الشخصية التاريخية الضخمة.

كان السلطان يَكْبُرُ القاضِيَ بسبع سنوات، ولكنَّ ابْنَ شدَّاد تُوُفِّيَ بعد صلاح الدين بأربعين سنة، ولا شك أنه كتب سيرة صاحبه وهو يتولى القضاء والتدريس في حَلَب بعد سنوات قد تكون طويلة من وفاة صلاح الدين، ونَجِدُ فيها من جهة ملامح هذا السلطان، وهو في منتهى فترة الأَوْجِ من السمعة المُدَوِّيَة، والسُّلْطَة المُطْلقة، والنضج في الفِكْر والتصرُّف، كما نجد من جِهَةٍ أُخْرَى أنَّ صاحبَ الكِتاب كَتَبَهُ لمجرد الوفاء لصاحبه في فترة لا يرجو منه فيها شيئًا، ولا يخشى شيئًا.

وثَمَّ اتفاقٌ بين المؤرخين جميعًا على عدد من ملامح نشأة صلاح الدين:

- فهم يَذْكُرون أنَّه مِن الأكراد الهَكَّارِيَّة الروادية، ومنَ البارِزين في هذه الجماعة، (وهذا النسل من أشرف الأكراد([1]

  - وأنَّ أصل أسرته من بلدة (دوين)، وهي في الزَّاوِيَة الجنوبيَّة الغربيَّة من بلاد أذربيجان.

- وأنَّ والده نجمَ الدين أيوبَ هاجَر معَ الأسرة إلى بلدة تَكْرِيتَ فيها، وقد عُيِّنَ مستحفَظًا فيها من قِبَل بهروز شحنة بغداد.

- وأنَّ عمَّه أسد الدين شيركوه كان من المُتطوِّعينَ في الجُنْدِ، وكان من الشَّهامة والشَّجاعة بحيثُ بَرَزَ في جيش زِنْكِي حينَ التَحَقَ بِه، (وشيركوه تَعْنِي أسد الجبل([2].

- وأنَّ الأَخَوَيْنِ غادَرَا تَكْرِيتَ هارِبَيْنِ إلى المَوْصِلِ؛ إمَّا لمروءة نجم الدين وأخيه الأصغر أسد الدين شيركوه في تلقي زِنكي الهارب مهزومًا أمام جيش الخليفة، وتسهيل عُبوره نهرَ دِجْلَةَ وتقديم بعض المساعدات له حتى وصل المَوْصِلَ؛ وإمَّا لأنَّ أسد الدين شيركوه قَتَلَ أحد مماليك بهروز شحنة بغداد، فخاف انتقامَهُ هو وأخوه نجم الدين فخرجا مُولِّيَيْنِ شَطْرَ المَوْصِلِ حيثُ يُقيمُ زِنكي، ورُبَّما كان الحادثانِ معًا قد وَقَعَا، وقد أكرم زِنكي مَثْوَى الأَخَوَيْنِ عِرفانًا بجميلهما سنة 523 هـ، 1137 م.

- في اللَّيلة التي غادر بها الأخوان تَكْرِيتَ وُلِدَ لنجم الدين أيوب ولدٌ سمَّاه يُوسُفَ، ولُقِّبَ بصلاح الدين؛ وقد حمله معه إلى المَوْصِل[3]

  - يبدو أنَّ الأخوينِ التحقا بِجُنْدِ زِنْكِي، ونزلا معه في حَلَب حين نزلها، وحَظِيَ الأخوانِ عنده، فكان شيركوه من أبرَزِ قُوَّاده، كما كان يعتَمِدُ على نجم الدين أيوب في عقله وحكمته، فلمَّا فتح بَعْلَبَكَّ سنة 532 هـ عهد بولايتها إلى نجم الدين، وعُمْر ابنه صلاح الدين يوسف سَنَتَانِ. 

  - في بَعْلَبَكَّ قضى يُوسفُ بنُ أيُّوبَ نشأته حتَّى الفُتُوَّة – اثنتا عَشْرَةَ سنةً - وحين كان في الرابعةَ عَشْرَةَ منَ العمر شَهِدَ دون شكٍّ - وقد يكون شَارَكَ - في عمليات الدفاع عن البلد ومنطقته، وفي المعارك مع الفرنج الذين كانوا يغزون السهول حول المدينة، ويُخَرِّبون الزروع وينهبون.

- حضر وهو في هذه السِّنِّ المبكِّرة مفاوضاتِ أبيه – بعد مقتل عماد الدين زنكي – لجيش دِمَشْقَ الذي جاء يستردُّ البلدَ منه، بعد أن اشتدَّ القِتالُ دون طائل؛ (وصبر نجم الدين أحسنَ صبر، فاتَّفق أنَّ الماء - لِما شاءَ الله - غار من حِصْن بَعْلَبَكَّ حتى لم يبقَ منه شيء، وأهل القلعة يستمِدُّون منَ البلد، فلمَّا مَلَكَ (صاحب دمشق) البلدَ، مَنَعَ مَن يُريد الماء منَ القلعة، فاشتدَّ الأمر فطلبوا الأمان والمُصالحة، فاستخلف صاحبُ دمشق نجم الدين، وأقرَّ الثُّلُث الذي كان أتابك (زنكي) قد جَعَلَهُ له فيها وأقرَّه فيها...([4].

 - أمَّا ابنُ الأَثِير فيَذْكُر ( أنَّ نَجم الدين أخذ منه (من صاحب دمشق) إقطاعًا ومالاً، وملَّكه عدَّة قُرًى من بلد دِمَشْقَ، وانتقل أيُّوبُ إلى دِمَشْقَ فسكنها وأقام بها...([5]:

ولا تعارُض بين النَّصينِ، ولو أنَّ حديث ابن الأثير هو الأرجح، فقد يكون صاحب دِمَشْقَ أعطاها أولاً لنجم الدين، ثم وجد الرجل أنه غير ثابت المقام عنده فاختار الانتقال لدِمَشْقَ.

- ويقول ابنُ القَلانِسِيِّ: (إنَّه بعد نزول معين الدين أنر (أتابك دمشق) على بَعْلَبَكَّ، وشحَّ الماء في القلعة أنَّ هذا الشُّحَّ في الماء دعاهم إلى النزول على حكمه، وكان الوالي بها (نجم الدين) ذا حزم وعقل ومعرفة بالأمور، فاشْتَرَطَ ما قام له به من إقطاع وغيرِه وسلَّم البلد والقلعة إليه، ووَفَّى له بما قرَّر الأَمْرَ علَيْهِ، وتسلَّم ما فيه من غَلَّةٍ وآلةٍ في أيَّامٍ من جُمادَى الأُولَى من السنة([6].

يذكُرُ ابْنُ أَبِي طي: أنَّه (لمَّا بَلَغَ ذلك إلى نور الدين (يعني تسليمَ بَعْلَبَكَّ، وإقرارَ نجم الدين فيها إثر انتقالِه إلى دمشق)، خاف أن يَفِدَ عَلَيْهِ أَسَدُ الدين إلى صاحب دِمَشْقَ بِحُصول أخيه نجم الدين عنده، ومال نور الدين إلى مَجْدِ الدِّين أبي بكر ابنِ الدايةِ حتَّى ولاَّه جميعَ أُمُورِه وجميع مملكته، فشقَّ ذلك على أسد الدين...([7].

- ولعلَّ نجم الدين أَيُّوبَ تلقَّى من أخيه بعض التأنيب أو العَتْب، إثر تَخَلِّيه عن الزنكيين؛ ولعلَّ هذا هو السَّبَبُ في سفر ابنِه يوسف صلاح الدين إلى حلب، والالتحاق بعمه سنة 547 هـ / 1152 م، ويبدو أنَّ نجم الدين بَقِيَ في دمشق مُؤْثِرًا البقاء مع إقطاعه، فيما شرح يوسف لعمه ظروف والده، ومِنَ الأرجح أن يكون نجم الدين قد أوصى ابنه بأن يذكر للعَمِّ أسدِ الدين أن مقامه بدمشق أفضل؛ لأنَّه يكون عَيْنًا للزنكيين فيها؛ لا سيما وأنه لم ينل فيما - سِوى الإقطاع والمال - أيَّ حَظْوَةٍ أو تَقَدُّم لدى أُمراء دمشق، وظلَّ غريبًا عن كُتْلَتِهم بِوَصفِه زنكيَّ الهَوَى، وقد شاء لابنه، مع الرسالة، أن يأخذ مكانه في دولة نور الدين برعاية عمِّه، بعد أن بدأت دولته بداية رائعة في استرداد الرها، وفي هزيمة الصليبيين إلى أنطاكية.

- ويبدو أنَّ أسد الدين شيركوه استردَّ بسرعة مكانته لدى نور الدين (ولعله اقتنع بوجاهة رأي نجم الدين بالبقاء في دمشق)، فأضْحَى شيركوه نائبَهُ الدائم تقريبًا في حلب، في حين التحق صلاح الدين بنور الدين بعد أن قدَّمه عمُّه إليه، وصار بعضًا من حاشيته بعد أن (أَقْطَعَهُ إقطاعًا حَسَنًا). 

  - يقول ابن الأثير: (فلمَّا أراد نور الدين مُلْك دمشق، أمر (شيركوه) فراسل أخاه أيوب وهو بِها، وطلب منه المساعدةَ على فَتْحِها؛ فأجاب إلى ما يُرادُ منه على إقطاعٍ ذَكَرَهُ (نور الدّينِ) لَهُ ولأخيه، وقُرًى يَتَمَلَّكانِها، فأعطاهُما ما طَلَبا، وفتح دِمَشْقَ...([8]. ولعلَّنا نلاحظ تحيُّزَ ابنِ الأثير لِنُورِ الدّين ضِدَّ الأَخَوَيْنِ، فليس من المعقول أن يشترطا لمعونته إقْطاعًا مُعَيَّنًا، ولعلَّ الأَمْرَ بِالعكس، كان عَرْضًا من نور الدين قَبِلاه، وقد سَبَقَ مِثْلُ هذا التحيُّز في ذِكره لتسلُّم أيوبَ قلعةَ بَعْلَبَكَّ لإمارة دِمَشْقَ. 

  - بعد فَتْحِ دِمَشْقَ بَقِيَ صلاح الدين يتردَّد بين دِمَشْقَ وحَلَب، وكان نور الدين قد استقرَّ في دمشق وجعل ولاية أُمورِها لنجم الدين أيوب، فيما كان أسد الدين شيركوه نائبه في حلب سنة 549 هـ. ويبدو أن نور الدين جعل من صلاح الدين حلقة الوصل بينه وبين نائبه؛ فكان يرسله إلى عمه شيركوه، لاستشارته في أمور الدولة، وفي أمر المكوس والضَّمانات وإبقائها أو إلغائها؛ لأنَّ نور الدين كان لا يفعل شيئًا إلا بمشورته، ويبدو أن صلاح الدين كان أكثر التصاقًا بعمِّه مِنْهُ بأبيه؛ فقد ذكر ابن مَخْرَمَةَ أنه كان يتردد على بلاط نور الدين في دمشق[9]

  - في سنة 551 هـ/ 1156 م خَلَفَ صلاحُ الدين أخاه الأكبر توران شاه كنائب لعمِّه (شيركوه) في ديوان الجيش بدمشق، لكنَّه تخلَّى عن المنصب بعد زمن قصير احتجاجًا على تصرفات المحتسِب في المدينة.

ملامح من شخصيته:

عاش صلاح الدين القسم الأوَّل من عمره، حتَّى السادسة والعشرين، دون عمل رسميٍّ تقريبًا، ولعلَّه كان أقربَ إلى الشابِّ اللاهي منه إلى صاحب المسؤوليَّة، ولم يُذكر له من عملٍ سوى السفارة بين دمشق وحلب، ولكنَّه قضى القسم الثاني من العمر في منتهى الإرهاق والعمل المتَّصِل، والتفكير بأمور السياسة، والجهاد، وحفظ الثغور، ومُكافَحَة الصليبيين، وإدارة الأمور الخارجيَّة والداخليَّة في دولةٍ اتَّسعت حتَّى اتَّصلت من ليبيا إلى اليَمَنِ إلى الشام وإلى الجزيرة العليا.

ونَجِدُه في سنواته الأخيرة وهو في أزمة (ساجدًا يبكي ودموعه تتقاطَرُ على شَيْبَتِهِ، ثم على سجادته(، وقد تكالبت عليه الأمراض: فالملاريا من جهة، والدمامل من وسطه إلى رُكْبَتَيْهِ؛ حتَّى لم يكن يستطيع الركوب، ولا الجُلوس لِلطعام من شدة المرض، (يمرض ويَصِحُّ وتَعْتَرِيهِ أحوال مَهُولة وهو صابر مرابط([10]، (وكان مع ذلك كلِّه يركب من بَكْرَةِ النهار إلى صلاة الظهر يطوف على الأطلاب، ومن العصر إلى صلاة المغرب وهو صابر على شدة الألم وقوة ضربان الدمامل، وأنا أتعجَّب من ذلك، فيقول: إذا ركِبْتُ يزولُ عنِّي أَلَمُها حتى أنزل...([11].

مرض سنة 581 هـ، 1186 م مرضًا شديدًا وهو في كَفْر زمار في الجزيرة العليا، وبلغ غاية الضعف، وجاءه أخوه العادل من حلب ومعه الأَطِبَّاء، فاستغلَّ صاحب المَوْصِل الفرصة لِمُصالحته بعد أن كان يستنجد للخلاص منه، يقول ابن شَدَّاد: (وعلم أهالي الموصل سرعة انقياده، ورقة قلبه فنَدَبُونِي لهذا الأمر وبهاء الدين الربيب لهذا الأمر... فسِرْنا حتى أتينا العسكر والناس كلهم آيِسون من السلطان... فاحترمَنا احترامًا عظيمًا، وجلس لنا... ومات رحمه الله (بعد 12 سنة) وهو على هذا الصلح لم يتغيَّر عليه([12].

فكان صلاح الدين كأنه شُعلة نار في جسد هدمته الأمراض، فلا توازن بين صورته المادّيَّة وبين الحِمل الثقيل الذي يملأ هذا الجسد بالطموحات الكبرى، وقضاؤه السنواتِ الثلاثين الأخيرةَ من حياته على ظهر حصانه يكفي دليلاً على أنَّ وعاءه الجسديَّ كان أصغرَ بكثير من وعائه الروحيِّ.

وإذا قال ابن الأثير عنه إنه: (كان - رحمه الله - كريمًا، حليمًا، حَسَنَ الأخلاق، متواضِعًا، صبورًا على ما يَكْرَهُ، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكرَهُ ولا يُعْلِمه بذلك، ولا يتغيَّر عليه([13]:

فإنَّ هذه الصفات الخُلُقيَّة لا تتوفَّر إلا فيمن أضحت نفسُهُ كالبحر، أوسعَ بكثير من أنْ تُعَكِّرَهُ السوَاقِي، وفيمن استغرقتِ الأحلام الكبيرة كلَّ ذاته، فهو في شغل بها كنسور القِمَم عن بُغاث الطير، ولا شك أن هذا الاستغراق الفكريَّ الروحيَّ، هو الذي كان يُنْسِيهِ آلامَهُ الجَسَدِيَّةَ، وقدْ رَوَى ابْنُ شدَّاد مَشْهدًا امتزج فيه الحرب مع المرض، وكان الضعف المرضي يَنْزَاح أمام الهمِّ الحَرْبِيِّ الكبير؛ قال: (مرض (السلطان) ونحن على الخروبة... وبلغَ الفرنجَ ذلك فخرجوا طمعًا في أن ينالوا شيئًا من المسلمين... ورحل العدو... يطلبنا، فَرَكِبَ على مَضَضٍ، وَرَتَّب العسكر لِلِقاء القوم تعبئة الحرب، ونزل هو وراء القوم... حتى يقطع بينهم وبين خِيامِهم، وهو يَسيرُ ساعة، ثم ينزل ويستريح، ويتظلَّل بِمِنْدِيلٍ على رأسه من شِدَّة وَقْع الشمس، ولا يَنْصِب له خيمة حتى لا يُرِي العدو ضعفًا... وبتُّ تلك الليلة أجمع أنا والطبيب نُمَرِّضُه ونُشاغِلُهُ، وهو ينام تارة ويستَيْقِظُ أُخْرى حتَّى لاح الصباح، ثم ضرب البوق وركب هو وركبت العساكر... وفي ذلك اليوم قدَّم أولاده بين يديه، ولم يزل يبعث مَنْ عِنده حتى لم يبقَ إلا أنا والطبيب وعارض الجيش والغِلمان بيدهم الأعلام والبَيَارِق لا غيرُ، فَيَظُنُّ الرائي عن بُعْدٍ أنَّ تَحْتَها خَلْقًا عظيمًا وليس تحتها إلا واحد يُعَدُّ بخلق عظيم... (وأخذ القتلُ الفرنج)... وبقي رحِمَهُ اللَّهُ في موضعه، والعساكر على ظهور الخيل قُبالَةَ العدو إلى آخِرِ النهار... وبِتْنَا على مثل ما بِتْنَا الليلة الماضية([14].

ضمن هذا الإطار يمكن فهم مختلِف مناقبه الخلقية على تعدُّد وجوهها:

- فلا قيمة للمال عندَهُ (مَلَك ما مَلَك وماتَ ولَمْ يُوجَد في خِزانته من الفضة إلا سبعة وأربعون درهمًا ناصرية، ومن الذهب إلا جِرم واحد صوري...(، (وكان يهب الأقاليم ولا يسأل(، وأتتْهُ الوُفود بالقدس فباع قرية ووزَّع عليهم ثمنها. وكان يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة...(، وقال مرَّةً: (يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب... وقد وهب من مرج عكَّا وحده عشرة آلاف فرس...([15].

وذكر ابن الأثير (أنها كانت 18 ألف دابة سوى الجمال....([16].

- وحِلْمُهُ الشديد نابع من المنبع نفسه: ذكر ابنُ الأثير أنَّه كان يومًا جالسًا وعِنْدَهُ جماعةٌ، فَرَمَى بعضُ المماليك بسرموز (حِذاء) فأخطأتْهُ ووصلتْ إلى صلاح الدين، فأخطأتْهُ ووَقَعَتْ بالقرب منه؛ فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلُّم جَليسَهُ لِيتغافَل عَنْهُ... وطلبَ الماءَ في مجلسٍ واحد خمس مرات حتى قال: يا أصحابنا والله قتلني العطش، فأُحْضِر الماء، ولم ينكر التوانِيَ في إحضاره([17]. وكان جالسًا بباب خيمَتِه وجاءه رجلٌ بقصَّة يُرِيدُ تَوقيعَها، فقال: ما عندي دواة، فقال الرجل: ها هي ذي في صدر الخيمة. فالْتَفَتَ فَرَآهَا، ومدَّ نَفْسَهُ وَأَتَى بِها ووقَّع الرُّقعة، وقال: ما ضَرَّنا شيءٌ، قضيْنَا حاجَتَهُ وحَصَلَ الثواب! وكانت طراحتُه تُداسُ عند التَّزاحُم عليه لعرض القصص، وهو لا يتأثَّر لِذَلِكَ... وكان عند يافا وعبَّأ الجُند للحرب فجابَهَهُ بعضُ الأمراء بَعْتِبُ فيه خشونة؛ لعدم توفُّر إقطاعه، فعَطَفَ عِنان فَرَسِهِ كالمغضب... وانصرف وأمر بِقلْعِ خَيْمته، وانفضَّ النَّاسُ عن العَدُوِّ مُتَيَقِّنين أنَّ السلطان رُبَّما صلَب وقَتَلَ جماعةً، ولم يتجاسَرِ ابنُه أن ينظُرَ في عيْنَيْهِ رغم بلائه في الحرب، ومَشَى حتَّى بلدة (يازور) وضَرَبَ خيمتَهُ هُناك... وما من الأمراء إلا من يَرْعَدُ خِيفَةً... ولم تُحَدّثني نفسي – كما يقول ابن شَدَّاد – بالدخول عليه حتَّى استدعاني، وكانتْ قد وَصَلَتْهُ فاكهةٌ كثيرة من دِمَشْقَ، فقال: اطلبوا الأمراء ليأكلوا شيئًا... وحضروا وهم خائفون، فوجدوا من بِشْرِهِ ما أحدث لهمُ الطمأنينة والسرور... كأن لم يجرِ شيء أصلاً...([18]

في إطار هذا الجوِّ الخُلُقيِّ يدور التواضع، ويدور التسامح والرحمة حتَّى مع الكُفَّار، فهذه الصفات من تلك، وأساسُها في التكوين النفسي واحد؛ فكأنَّها ألوانٌ ووجوه لطبيعة واحدة منجذبة إلى مُثُلِها العليا، فلا تستطيع أن ترى ما تعتبره من صغائر الأمور، وتعتبر الترفُّع عنه من باب المروءة ومكارِمِ الأخلاق.

قال ابن الأثير: (... وأمَّا تَوَاضُعُه فإنَّه كان ظاهِرًا، لم يتكبَّر على أحدٍ من أصحابه، وكان يَعيبُ المُلوكَ المتكبِّرينَ بذلك. وكان يحْضرُ عِنْدَه الفُقَراء والصُّوفِيَّة ويعمَل لهم السماع، فإذا قام أحدُهم لرقص أو سماع يقوم له فلا يقعد حتى يفرغ الفقير([19].

وقد روى ابن شَدَّاد أمثلة عديدة على هذه المواقف؛ ومنها: أن صاحب أنطاكية بعد صُلحه معه سنة 558 هـ فاجأه عند باب خيمته في الطريق بين بيت المقدس ودمشق وطلب منه شيئًا، فأعطاه سهل العمق (وكان أخذه منه سنة 584 هـ). ودخل عليه صاحب صيدا الصليبِي فاحترمه وأكرمه، وأَكَلَ مَعَهُ الطعام، وعرض عليه الإسلام وذكر له طرفًا من محاسنه. ومرَّ به سنة 584 هـ رجل عالم متصوّف، فتفرَّغ لِمُقابَلَتِه، ثُمَّ انْصَرَف الرجلُ مُسافِرًا دون أن يودّع صلاح الدين، فسأل عنه بعد ليالٍ، وقال: ما أكرمناه، وشدَّد النكير على ابن شداد لماذا لم يُخبره بسفره... فأعاد قاضي دمشق ذلك الرجل، فأمسكه عنده أيامًا، وخلع عليه وأعطاه مركبًا وثيابًا كثيرة له ولأهله وأتباعه وجيرانه، ونفقةً يرتفق بها!... وأدخلوا عليه مرَّة أسيرًا فرنجيًّا يَرْتَجِفُ من الرعب؛ فقال له: من أيّ شيء تخاف؟ فقال: كنت أخاف من أن أرى هذا الوجه، فلما رأيتُه اطمأنَّتْ نَفْسِي، فمنَّ عليه وأطلقه. وأضافَ ابْنُ شدَّاد: وكنتُ راكِبًا في خدمته مرة قُبالَةَ الفرنج، وقد وصل بعض اليزكية (طلائع الجيش) ومعه امرأة شديدة البكاء والتحرُّق تَطلُبُ الحُضورَ إِلَيْهِ، فعرف أنَّ بَعْضَ الجُنْد المسلمين اخْتَطَفُوا ابنتها، فرقَّ لها ودمعتْ عيناه، وأمر مَن ذَهَب إلى سُوق العسكر ليسأل عمَّنِ اشتراها، ويدفَعَ له ثَمَنَها ويستردَّها، وعاد الرجل بعد ساعة والصغيرة على كَتِفِه، فأعادَها لأُمِّها وهي تُعَفِّر وجْهَها في التُّراب، وترفع طرفها إلى السماء، ولا ندري ما تقول، وأرسل من أوصلها إلى عسكرهم([20].

وضمن هذا الإطار نفسه تأتي رِقَّةُ القلب، ودموع الحزن، فقد كان صلاح الدين: (شديد الشغف والشَّفَقَة بأولاده الصغار – وهم كثيرٌ يبلغون 17 – وهو صابر على مُفَارَقَتِهم... راضٍ بِمُرِّ العَيْش وخُشونته مع القدرة التامة على غير ذلك. وحين وصله خبَرُ وفاةِ ابْنِ أخيه تقيِّ الدين، وهو في مقابلة الفرنج، كَتَمَ الخَبَرَ عن الجميع، حتى إذا فرَغَ مَجْلِسه إلا من أصحابه بَكَى وأَبْكَى الجماعة معه:

يقول ابن شداد: ثم عدت إلى نفسي وقلت: استغفروا الله.. وانْظُروا أين أنتم؟ وفيمَ أنتم؟ قال (صلاح الدين): نعم، أستَغْفِرُ اللَّه، واستدعى بشيء من الماورد فمسح عينيه، ثم استحضر الطعام. وكذلك فعل يومَ بلَغَهُ موتُ ابنِه إسماعيل، فقد كتَمَ الكِتَابَ بعد أن قَرَأَهُ ودمعت عيونه، ولم نعرف الخبر إلا من غيره...([21].

إنَّ وَحْدَةَ الشخصيَّة لدى صلاح الدين تقتضي أن نفهم أبعاد الإيديولوجية التي كانت تقود حياته، وأخلاقه التي ألمحنا بملامحها من قبل، هي الصورة الظاهرية له، أمَّا شخصيَّته الحقيقية والمتمّمة لهذه الملامح (والتي لا شكَّ أن هذه الملامح تنبع منها) فتنكشف بكلمة واحدة: في الإيمان، هنا يكمن قطب شخصيَّته. صورته في التحليل الأخير كانت صورة صوفي يرى أنَّ القرب من الله لا يكون في التأمّل، ولا في مجاهدة النفس، ولا في الفلسفة الميتافيزيقية (التي لا يفهمها)، ولا في السماع والرقص الصوفي، ولا في الاعتزال عن الدنيا.. كان يرى – كما تدلّ أعماله – أن الإيمان يقتضي العمل، وأن العمل يعني الجهاد في إرضاء الله. إنَّها إيديولوجية مبسطة، شديدة الوضوح، ولكنه جعل منها – مع تكالُب الأمراض عليه – هدف الحياة الوحيد؛ فإذا هجر أولاده وبيته ليبيت في الخيام، وإذا ركب الخيل ثلاثين سنة في الجبهات، وإذا احتقر المال وبذله للناس، وإذا صَبَرَ على بلوى الأمراض، وهو مستغرِقٌ فِي الجهاد، وإذا بَكَى وهو ساجدٌ لِلَّه في الأزمات حتى بلَّل الدمع شيبتَهُ وسال على سجادته، فكل ذلك يندرج تحت كلمة الإيمان، الذي بلغ حدَّه الأقصى المسيْطِر عنده في السنوات العشر الأخيرة من حياته. لم تكن هذه الإيديولوجية الدينية كاملة الوضوح فيه من قبل، ولا كانتْ فِي الوَقْتِ نَفْسِه بنتَ ساعَتِها، ولكنَّها تكامَلَتْ في تَطَوُّرٍ طويل متَّصل في النصف الثاني من عمره، حين تمثَّل شخصيَّة نور الدين كبطل إسلامي.

وقد انفردَ المؤرّخ الشيعي ابن أبي طي – وهو من الذين يدسُّون عليه؛ حتَّى لم يعد النَّسَّاخون يستنسخون كُتُبَه رغم أهميَّتِها وتميُّزها؛ حتَّى ضاعَ تُراثُه كلُّه مَعَ الأَسَفِ – نقول إنَّه انفرد برواية يقول فيها – حسب ما نقل عنه – إنه: (لما استقر لصلاح الدين أمرُه بِالوِزارَةِ (فِي مِصر) والرّياسة قام في الرعِيَّة مقام من قام بالشريعة والسياسة، وقرَّب إليه أهل الفضل والأحباب، وتاب عن شُرْبِ الخمر وعدل عن اللهو، وتقمَّص بلباس الدين، وحفظ ناموس الشرع المبين...([22].

ولسنا لندافع عن صلاح الدين بِوَصْفِه الإنسانَ الكامِلَ؛ فَلَيْسَ ثَمَّ إنسان كامل. وقد يكون ما ينسب إليه – كما يستنتج من الكلمة ذاتِها – إنما كان في شبابه الأول في حلب ودمشق، وإن كان من المستبعد أن يقرّبَهُ نور الدين ويُقْطِعُه الأقطاع وهو الشاب اللاهي، الشارب للخمر. ولا ننسى أن مثل هذه المفاسد كانت شائعة في الناس في ذلك العصر، وفي الجند أيضًا، وقد شربها صلاح الدين تقليدًا شبابيًّا ولهوًا لا معاقرة، وسرًّا لا مجاهرة.

وعلى أي حال فالواضح أنَّ صلاح الدين منذ تصدى ليكون رجل الجهاد أخذت حميته الدينيَّة في التَّصاعُدِ المتَّصل والمتكامل، ولم يكن عنده فرق بين الصلاة والجهاد، فكلاهما عبادة، وكلاهما فريضةٌ، وكلاهما مكرَّس لمرضاة الله. وابن شداد يروي في هذا السبيلِ العديدَ من القَصَصِ التي تكوّن في مجملها صورته (الصوفية) الخاصَّة: فهو يشهد بأنَّه: (كان كثيرَ الذّكر لِلَّه، وقد جمع له القُطْبُ النيسابوري عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه، وكان من شِدَّةِ حرصه عليها يُعَلّمها الصغار من أولاده حتى ترْسَخ في أذهانهم في الصغر، ورأيته وهو يأخذها عليهم وهم يقرؤونها من حِفْظِهم بَيْنَ يديه. وكان شديد المواظبة على الصلاة جماعة؛ حتَّى إِنَّه ذكر يومًا أنَّ له سِنِينَ ما صلَّى إلا جماعةً، وكان إنْ مَرِضَ يَستَدْعِي الإمام وحده، ويكلّف نفسه القيام ويصلّي جماعةً... وكانت له ركعاتٌ يُصَلّيها إذا استيقظ بوقتٍ من الليل... وإلاَّ أَتَى بِها قَبْلَ صلاةِ الصُّبْحِ... ولقد رأيته يصلي في مَرَضِه الَّذِي مات فيه قائمًا... وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل. ولم يكن يملك ما يوجب الزكاة. أمَّا الصّيام فكان عليه منه فوائتُ بِسبَبِ أمراض تَواتَرَتْ عليه في رمضانات متعددة، وبسبب الجهاد. وكان القاضي الفاضل قد تولَّى ثبت تلك الأيام، وشرع في قضاء تلك الفوائت في القدس في السنة التي توفي فيها، فكان يصوم وأنا أُثبِتُ؛ مع أنَّ الصوم لا يوافق مزاجه، وكان الطبيب يلومه وهو لا يسمع... وأمَّا الحجُّ فقد نواه في سنته الأخيرة وأمر بالتأهب له... وحالت المنية دون تحقيقه...([23].

(وكان مُبْغِضًا لِلفلاسفة والمعطّلة والدهرية، ومن يُعانِدُ الشَّريعة([24]. وضمن هذا الإطار من الروح الدينية المتَّقدة، والحرص على سلامة العقيدة؛ يُمْكِنُ أن نَفْهَمَ أَمْرَهُ الذي أصدره لابْنِه الظَّاهر في حلب بِقَتْلِ شِهابِ الدين السهروردي (5 رجب سنة 587 هـ/ 29 يوليو 1191 م). ونقف قليلاً عند مقتل هذا المتصوف عند نهاية هذا الفصل. على أنه كان بالمقابل: (يكرم مَن يَرِد عليه من المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار، وكان يوصينا بأن لا نغفل عمَّن يَجتاز بالخيم من المشايخ المعروفين حتى نحضرهم عنده وينالوا إحسانه([25].

ويحب الصوفية ويقف لهم حين السماع والأذكار حتى ينتهوا منها.

ولا يقف تُقاه العميق عند الأمور الشخصية، ولكنه يمتد إلى الأمور العامة (كالعدل الداخلي والجهاد الخارجي) بِوصْفِها جزءًا من الدين وواجبًا إلهيًّا. فباعتبار أنَّ ( الواليَ العادلَ ظِلّ اللَّه في الأرض( كان (صلاح الدين) يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يَحْضُرُه الفُقَهاء والقضاةُ والعُلماء، ويَفْتَحُ البَابَ لِلمُتَحاكِمِينَ حتَّى يَصِلَ إليْهِ كُلّ أحدٍ مِنْ كَبِيرٍ وصغير، وعجوز هرمة وشيخ كبير، وكان يفعل ذلك سفرًا وحضرًا؛ على أنَّه كان في جميع أزْمانِه قابلاً لجميع ما يُعْرَضُ عليْهِ من القصص، كاشفًا لما ينتهي إليه من المظالم. وكان يجمع القصص في كل يوم ويفتح باب العدل؛ ولم يَرُدَّ قاصدًا للحوادث والحكومات. وكان يجلس مع الكاتب ساعة إمَّا في اللَّيل أوْ فِي النَّهار، ويوقّع على كُلّ قِصَّة بِما يُطْلِقُ اللَّه على قلبه. ولم يَرُد منتحلاًً ولا طالب حاجة... وهو مع ذلك دائمُ الذّكْرِ والمواظبة على التّلاوة... ولقد رَأَيْتُه وَقَدِ اسْتَغَاثَ إليْهِ إنسانٌ من أهل دمشق يقال له ابن زهير على تقي الدين ابن أخيه، فأنفذ إليه يحضره إلى مجلس الحكم... واتَّجهت اليمين على تقي الدين.

وأعظمُ مِنْ هذِهِ الحِكاية قضيَّةٌ جَرَتْ له مَعَ إنسانٍ تاجِرٍ يُدْعى عمر الخلاطي في مجلس الحكم بالقدس الشريف... (وخلاصة الحكاية أنَّ هذا التاجر ادَّعى أنَّ مَمْلُوكَ السلطان سنقر الخلاطي هو مملوكُه اشتراه من فلان بتاريخ كذا، ولم يزل في ملكه بموجب كتاب في يده، وأنَّ المملوك شذَّ بِتاريخ كذا، وهو يطلب من السلطان أموالَهُ العظيمة التي تركها سنقر عند وفاته.. وعلم السلطان فَطَلَبَ منِ ابْنِ شدَّاد دعوةَ الرَّجُل إلى مجلس الحكم، ولمَّا جاء نَزَل السلطان عن طراحته حتى ساواه، وسمع ابن شداد شكوى المدَّعي، وأثبتَ السُّلْطانُ بِالشهود أنَّ سنقر المذكورَ كان في ملكه قبل سنة من تاريخ الكتاب الذي يَحْمِلُه الرجل([26]. وأنَّه اشتراه مع ثمانية أَنْفُس، وتبيَّن أنَّ الدعوة تزويرٌ؛ فقال ابنُ شدَّاد للسلطان: (هذا الرجل ما فعل ذلك إلا طلبًا لِمراحم السّلْطان، ولا يَحْسُن أن يَرْجِعَ خائبًا، فقال السلطان: هذا بابٌ آخَرُ، وتقدم له بخلعة ونفقة بالغة(.

أمَّا الجهاد والدفاع عن الأمة وأرضها وتحرير هذه الأرض؛ فقد كان قِمَّة الإيمان عنده والواجب الأسمى الذي أفنى فيه جسدَهُ الدنيوي، وليس من أحدٍ يُنْكِر عليه بُطُولَتَهُ الكبرى في هذا السبيل الذي كان هدف حياته، وسبب توحيده الجبهة الإسلامية وتحرير القُدْسِ، ويروي ابن شداد في بعض الصور الحية لهذا الجهاد من واقع ما رأى، يقول: (كان الفرنج نازلين... قرب القدس والسلطان فيها، فَوَصَلَتِ الأَخْبَارُ بِعَزْمِهم على حِصارها، واشتدَّ خوْفُ المُسْلِمين، فاستَحْضَرَ الأمراء وعرَّفهم ذلك وشاوَرَهُم، فَجَامَلُوهُ وباطِنُهم غَيْرُ ظاهِرِهم؛ لكنَّهم أصرّوا جميعًا على أنَّه لا مصلحة للمسلمين في إقامَتِه بِنَفْسِه فيها، ويُقِيمُونَ هم، ويكونُ السُّلطانُ مُطوّقًا لِلعدُوّ من الخارج كما كان الأمر في عكَّا؛ لكنَّه أصرَّ على البقاء؛ فلمَّا انفضَّ المجْلِسُ جاءَ مَنْ أَخْبَرَ السُّلطان أنَّهم لا يُقِيمُون في البلد إلا إذا أقام فيه أخوه العادل، أو أحدُ أولادِه، فعلم أنَّها إشارةٌ بأنَّهم لن يقيموا فيه، وضاق صدره واشتدَّت فكرته(، ويقول ابن شداد: (.... ولقد جلست في خدمته في تلك الليلة، من أوَّل الليل إلى أن قارب الصباح، وكان الزمان شتاء، وليس معنا ثالث إلا الله تعالى، ونحن نقسم أقسامًا ونُرَتّب على كل قسم بِمُقْتضاه، وأخذني الإشفاق عليه، فإن اليبس كان يغلب على مِزاجه، فشفعت إليه أن يأخذ مضجعه لعله ينام ساعة، فقال: لعلَّك جاءك النوم.. ثم نهض، فما وصلتُ بيتي إلا وأذَّن الصبح، وكنت أصلّيه معه، فدخلت عليه وهو يُمِرّ الماء على أطرافه، وقال: ما أخذني النوم أصلاً، فقلت: قد علمتُ، فقال: كَيْفَ؟ قلت: لأني لم أنم وما بقي وقت للنوم، ثم شغلنا بالصلاة...(، واقترح ابنُ شداد على السلطان أن يصلي ركعتين ويدعو الله – وهو يوم الجمعة – ففعل، (... ورأيْتُه ساجِدًا ودموعُه تَتَقَاطَرُ على شيبته ثُمَّ على سِجَّادَتِه... فَلَمْ يَنْقَضِ ذلك اليوم حتَّى وصل الخبر بأن الفرنج مختبطون، وجاء الخبر في اليوم التالي أنَّ زُعماءهم تشاوروا وهم كعادتهم على الخيل، وجميعهم راكبون ثم جاء المبشّر بأنَّهم رحلوا...([27].

وكان صلاح الدين في جهاده من عُظماء الشجعان، شديد البأس، عظيم الثبات، ولا يهوله شيء، ولا شكَّ أنَّ ذلك كان نتيجة تصعيد الإيمان بالله في الذات لدرجة التسليم النهائي للقدرة الإلهية؛ وإلا فإنَّ الخوف في مجال الموت أمر إنسانِيٌّ عادي، يقول ابن شداد: (ولقَدْ رأيْتُه - رحِمه الله - مُرابطًا في مقابلة عدة عظيمة من الفرنج، ونُجَدُهم تَتَوَاصِلُ وعساكِرُهم تَتَواتَرُ، وهو لا يزداد إلا قوة نفس وصبر، وقد وصل في ليلة واحدة منهم نيّفٌ وسبعون مركبًا على عكَّا، وأنا أعدّها من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وهو لا يَزْدَادُ إلا قُوَّة نفس... ولقد سألتُ (باليابدين بارزان) وهو من كِبار مُلوك الساحل، يومَ انعقاد الصلح عن عِدَّتِهم، فقال الترجمان: إنه يقول: كنتُ أنا وصاحب صيدا قاصديْنِ عسكرَنَا من صور فلما أشرفنا عليه تجاوزناه، فحزرهم هو بخمسمائة ألف، وحزرتُهم أنا بستمائة ألف، أو قال عكس ذلك. قلت: فكم هلك منهم؛ فقال: أمَّا بالقتل فقريب من مائة ألف، وأمَّا بالموت والغرق فلا نعلم، وما رجع من هذا العالم إلا الأقل...(.

(وكان (صلاح الدين) لا بد له من أن يطوف حول العدو كل يوم مرَّة أو مرَّتين إذا كُنَّا قريبًا منهم، وكان إذا اشتدَّ الحرب يطوف بينَ الصَّفَّيْنِ ومعه صبي واحد، وعلى يده جنيب، ويخرق العساكر من المَيْمَنَة إلى الميسرة ويرتب الأطلاب... ويشارف العدو ويُجاوِرُه.. وما رأيتُه استكثر العدو أصلاً، ولا استعظم أمرهم قط... وقد انهزم المسلمون في يوم (المصاف الأكبر) بمرج عكا حتَّى القلب ورجاله، ووقع الكؤس والعلم، وهو - رضي الله عنه - ثابت القدم في نفر يسير قد انحاز إلى الجبل يجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى رجعوا... ولم يزل كذلك حتى نُصِرَ عسكر المسلمين في ذلك اليوم؛ وقتل (من العدو) زهاء سبعة آلاف ما بين راجل وفارس...([28].

(ولقد كان - رحِمه الله - شديد المواظبة عليه (الجهاد) عظيم الاهتمام به، ولو حلف حالف أنه ما أَنْفَقَ بعد خروجه إلى الجهاد دينارًا ولا درهمًا إلا في الجهاد أو في الإرفاد لَصَدَقَ. ولقد كان الجهاد وحبُّه والشغَفُ به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاء عظيمًا (نتيجة الإغراق التصوفي في الإيديولوجية الدينية) بحيث ما كان له حديث إلا فيه، ولا نظر إلا في آلته، ولا كان له اهتمام إلا برجاله، ولا ميل إلا إلى مَنْ يذكره ويَحُثُّ عليه, ولقَدْ هَجَرَ فِي مَحَبَّة الجهادِ فِي سبيل اللَّه أَهْلَهُ وأَوْلادَهُ ووَطَنَهُ وسَكَنَهُ وسائرَ ملاذّه، وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح يمنة ويسرة. ولقد وقعتْ عليْهِ الخَيْمَةُ في ليلة ريّحة على مرج عكا، فلو لم يكن في البرج وإلا قتلته ولا يزيده ذلك إلا رغبةً ومصابرة واهتمامًا([29].

وهذه الصفات التي يسجّلها ابن شداد لا تتفق إلا لمن وصل درجة التصوف في عشق إيديولوجيتة، وابن شداد يضيف قائلاً: (وكان الرجل إذا أراد أن يتقر ب إليه يحثه على الجهاد أو يذكر شيئًا من أخبار الجهاد. ولقد أُلِّفَ له كُتُبٌ عِدَّةٌ في الجهاد. وأَنَا مِمَّن جَمَعَ له فيه كِتابًا.. جَمَعْتُ فيهِ آدَابَهُ وكُلَّ آيَةٍ ورَدَتْ فيه. وكل حديث روي في فضله، وشرحْتُ غريبها؛ وكان - رحمه الله - كثيرًا ما يطالعه حتى أخذه منه ولده الملك الأفضل...([30].

وروى ابن شداد حديثًا جرى بينه وبين صلاح الدين، وهما عائدان من عسقلان على الساحل... وكان الزَّمان شِتاء عظيمًا والبحر هائجًا هيجانًا شديدًا، وموجه كالجبال. وكنتُ حديثَ عَهْدٍ برؤية البحر، وخُيِّلَ إليَّ أنه لو قال قائِلٌ: إنْ جُزْتَ في البحر ميلاً واحدًا ملَّكْتُك الدنيا لما كنت أفعل... وإذا بالسلطان يقول وهو يلتفت إلي:

- أما أحكِي لك شيئًا؟ قُلْتُ: بَلَى؛ قال: في نَفْسِي أنَّه متَّى ما يسَّر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودَّعْتُ وركِبْتُ هذا البحر إلى جزائرهم أَتَتَبَّعُهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض مَنْ يَكْفُر بِالله أو أموت! 

فعَظُمَ وَقْعُ هذا الكلام عندي حيث ناقض ما في خاطري؛ فقلت:

- ليس في الأرْضِ أَشجع نفسًا من المولى. 

  - واستأذنْتُ في حكايةِ ما كان في خاطري من هول البحر فقال: 

  - أنا أستَفْتِيكَ... ما أشرفُ الميتات؟ 

قلت: الموتُ في سبيل الله.

فقال: غايةُ ما في الباب أن أموتَ أشرف الميتات![31]

ثقافته:

كان الجانِبُ الرّوحي في صلاح الدين أقوى وأشد بعدًا وعمقًا من جانبه الفكري، ولهذا غطَّى على التحدث عن ثقافته؛ كما غطت حطين على جوانب شخصيته؛ فليس يُذْكَرُ إلا لصيقًا بها وبمجدها.

في بعلبكّ – دون شك – حيث نشأ صلاح الدين كانتْ أُولى دروسه وتعليمه، وكانت هذه الدروسُ على نوعين:

- القراءة والكتابة والقرآن الكريم، وشيء من الفقه والعلوم الإسلامية، وتاريخ الرسالة. 

- فنون الفروسيَّة والقِتال وركوب الخيل واستخدام السيف، والتمرُّس بفنون الحرب وألعابها. 

ولا شكَّ أنَّه باعْتِبار كونه ابْنَ والي المدينة الساكن في قلعتها كان يلقى ما لا يلقى أمثالُه من أبناء أواسط الناس من العناية والاهتمام، وحين انتقل من بعلبكّ مع أبيه إلى دمشق، ثُمَّ تَرَكَهَا إلى حلب، وصار في حاشية نور الدين (مع عمّه شيركوه) قَبَسَ شيْئًا من العلوم المتداوَلَة أيضًا على يَدَيْ بعضِ العلماء؛ كالشيخ قطب الدين النيسابوري: الذي قدم دمشق سنة 540 هـ / 1145 م، واشتهَرَ بِها قبل وصول صلاح الدين إليها بست سنوات، وتردَّد على دور العلم والشيوخ وتمرَّس بفنون الفروسية وألعابها بحكم معاشرته للفرسان المحيطين مثله بنور الدين؛ وبرع في لعبة الجوكان (البولو) وهي تقاذف كرة من الخشب بمضارب طويلة واللاعبون على ظهور الخيل، وقد ذكر أنه كان يلعبها في مرج دمشق مع نور الدين بعد فتحِها.. دون أن ننسى تأثير أبيه نجم الدين الذي اشتهر بالصلاح والخير والطيبة[32]. وعمّه شيركوه في ثقافته الإسلامية والحربية، فقد كانا من الطبقة الحاكمة والمحاربة، فلا بدَّ أنَّهما تركا أثرهما الواضح في نشأته، لا سيما في وعيه الأول أيَّام معارك أبيه في بعلبك مع الفرنج، وفي الوقت نفْسِه كانَتْ سفاراتُه في الخمسينيات (550هـ) بين نور الدين في دمشق وعمه شيركوه في حلب، وما يسمعه ويراه كل يوم من الأحداث الفرنجية وأخبار عدوانها وظفرها وهزائمها، كل ذلك ترك في نفسه بصمات واضحة لواقع الحياة التي يحياها في الشام. 

  - ونضيف أخيرًا أنَّ مُرافَقَتَهُ لِنُورِ الدِّينِ تَرَكَتْ فِي ذاتِه الأَثَرَ الحاسِمَ: فَقَدْ أَخَذَ عَنْهُ أُصولَ الإدارة والعدل في الناس، وأخذ عنه ما أهم من كُلّ ذلك، وهو الإيمان بفريضة الجهاد[33] ضِدَّ أعداء الإسلام والمحتلّين لأرضه. ومن الواضح أن ثقافته في العلوم الإسلامية توقفت عند حد معين في حين اتَّسعت ثقافته الحياتية بعد ذلك سياسة وإدارة وحربًا، وقد ذكروا تردُّده في دِمَشْقَ على مجالس ابْنِ عساكِرَ مؤرّخ دمشق والمحدّث الكبير؛ لكنه لم يأخذ عنه سوى الاحترام الشديد للحديث النبوي. 

  - ولم يَكُنْ في طُمُوحِه أَنْ يَكُون من طالِبِي العلم، ولكنَّه من طلاب المناصب وأهل الإدارة والحروب. وهكذا بقيت ثقافته محدودة إن لم نقل سطحيَّة، وفي ظنّه أنَّ العُلَمَاءَ كثيرٌ، وأنَّ طريق أبيه وعمّه في الحياة أفضل. ويظهر دليلُ ذلك في قول ابن شداد: (إن صلاح الدين قد أخذ عقيدته عن الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء، وتفهَّم من ذلك ما يحتاج إلى تفَهُّمِه بحيث إذا جرى الكلام بين يديه يقول فيه قولاً حسنًا، وإن لم يكن بعبارة الفُقَهاء، فتحصل من ذلك سلامة عقيدته من كدر التشبيه؛ غير ما دق منهم النظر فيها إلى التعطيل والتمويه، ... مُوافقة لقانون النظر الصحيح، مرضية عند أكابر العلماء....(، وهذا يعني أنه كان يعرف بوضوحٍ جميع أركان الدين على المذْهَبِ السُّنِّيّ، على أنه كان يغذي مخزونه الديني ويزيده أبعادًا روحية بأمرين: 

  - الأوَّل: (أنَّهُ كان يُحِبّ سماع القرآن الكريم حتَّى إنه كان يستخيرُ إمامه ويشترط أن يكون عالمًا بعلوم القرآن العظيم، متقنًا لحفظه، وكان يَسْتَقْرِئُ في مَجْلِسه العامّ من جرت عادته بذلك: الآية والعشرين والزائد على ذلك... وإذا سَمِعَ القرآنَ يخشع قلبه، وتدمع عينه في معظم أوقاته( 

  - الثاني: أنه كان (شديد الرغبة في سماع الحديث، ومَتَى سَمِعَ عن شيخٍ ذي رواية عالية وسماع كثير، فإنْ كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه، فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه المخْتَصّين به. وكان يأمر الناس بِالجُلوس عند سماع الحديث إجلالاً له. وإن كان الشيخ مِمَّن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافَى عن الحضور في مجالِسِهِمْ سعى إليه وسمع عليه.. تردد إلى الحافظِ الأصبهاني (أبي الطاهر السِّلَفِي المحدث المشهور المتوفى سنة 576هـ) بالإسكندرية وروى عنه أحاديثَ كثيرة، وكان - رحِمه الله تعالى - يحب أن يقرأ الحديث بنفسه، وكان يَسْتَحْضِرُنِي في خلوته ويُحْضِرُ شَيئًا من كتب الحديث ويقرؤها هو، فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه، ودمعت عينه([34].




[1]   ابن الأثير: ج11، ص341.

[2]   ابن خلكان: (وفيات الأعيان( ج2، ص481. 

[3]   ابن الفرات: تاريخه (العسجد المسبوك( م4: 1/55، ابن شداد: (سيرة صلاح الدين( ص6.

[4]   أبو شامة: (الروضتين( ج1، ص 124، (ط. قديمة ص 18). 

[5]  ابن الأثير: ج11، ص118. 

  6 ابن القلانسي: تاريخ دمشق ص 287 – 288.

[7]   أبو شامة: الروضتين ج1، ص 124. 

[8]   ابن الأثير: الكامل ج11، ص342. 

[9]   ابن مخرمة: (قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر(، م2: 2/772.

[10]   انظر ابن شداد: (النوادر السلطانية(، ص 12 وص 20.

[11]   ابن شداد: (النوادر( ص 24. 

[12]   ابن شداد، (النوار( ص 70، 71.

[13]   ابن الأثير: (الكامل( ج12، ص 96.

[14]   ابن شداد: (النوادر( ص 24 – 26. 

[15]   ابن شداد: ص 17 – 18.

[16]   ابن الأثير: ج12 – ص96.

[17]   ابن الأثير: ج12 –  ص97.

[18]   ابن شداد: (النوادر( ص 29 – 30. 

[19]   ابن الأثير: ج12، ص 97.

[20]   ابن شداد: ص 32 – 33. 

[21]   المرجع السابق: ص26 – 27. 

[22]   أبو شامة: (الروضتين( ج1 ص 173؛ وابن شداد ص 40.

[23]   ابن شداد: (النوادر( ص 7 – 9. 

[24]   المصدر السابق، ص 10.

[25]   ابن شداد: (النوادر( ص 31.

[26]   ابن شداد: (النوادر( ص 13 – 16. 

[27]   ابن شداد: (النوادر: ص 10 – 13. 

[28]   ابن شداد: (النوادر( ص 19 – 20. 

[29]   المصدر السابق، ص 21.

[30]   ابن شداد: (النوادر( ص 21. 

[31]   المصدر السابق ص 22 – 23.

[32]   ابن خلكان: ج1، ص 257.

[33]   ابن خلكان: ج7، ص 149.

[34]   ابن شداد: (النوادر( ص 9 – 10. 

المصدر: كتاب (صلاح الدين - الفارس المجاهد والملك الزاهد المفترى عليه)
الألوكة 1/1/2008

 

 

أنت هنا: دنيا المسرح شخصيات وأحداث (صلاح الدين) الإنسان