دنيا المسرح

بمناسبة أيام الشارقة المسرحية وليس عنها ..

 

مقال قديم أظن أنه - رغم مرور الأيام - مايزال سارى المفعول .. فلا شيىء قد تغير  ..  

بمناسبة أيام الشارقة المسرحية وليس عنها .. المؤلف دائما مظلوم فى الخليج ..

من د. حمدى الجابرى‏ في 13 أبريل، 2011‏، الساعة 09:53 مساءً‏ ·‏

 

                              د. حمدى الجابرى

  بعض الحكام وأولادهم فى عالمنا العربى لديهم هوس بالفن والفنانين ولذلك يحرصون على استضافتهم والتصوير معهم فى بلادهم ويغدقون عليهم ملايين الدولارات المنتزعة من قوت شعوبهم مثلما كان يفعل صدام حسين وأولاده وكذلك أبناء القذافى الذين بعثروا الملايين على بعض المطربات والراقصات ، بل والقذافى نفسه الذى اخترعوا له جائزة باسمه فى الأدب رفضها الكاتب الاسباني الكبير خوان خويتسولو بينما قبلها المصرى جابر عصفور مما أثار استياء بعض أهل الفن والأدب فى ليبيا ومصر والعالم العربى وأصبحت أزمة فى حياة عصفور لم يستطع الفكاك منها حتى الآن .. وفى كل الأحوال عندما يكون الحاكم فى بلد شرقى مهتما بالأدب والفن يمكن لهما أن يزدهرا بشرط أن يكون هذا الاهتمام خالصا بعيدا عن ) شلل المنتفعين ) الذين يصورون للحاكم أنه بدعمه للفن والأدب وأهلهما قد أتى بما لم يأت به الأوائل ، وأحيانا يمجدون كل ما يقوله أو يفعله فتتضخم الذات ويصبح الحاكم الحكيم الأوحد والقائد والزعيم الملهم ولا مانع طبعا من أن يصبح أديبا ومفكرا وفنانا مبدعا .. أليس هو الحاكم .. بأمره .. وما أن ينتهى .. أمره .. بالموت أو بالثورة عليه وإنهاء حكمه ، سرعان ما ينقلب الأمر تماما ويرفضه نفس من إنتفعوا بمكرماته وملايينه ، بل ويصل الأمر الى الإعلان عن رفضهم لجائزته مع بداية الثورة عليه ، كما فعل جابر عصفور مؤخرا مع جائزة القذافى !!

    وفى منطقة الخليج لم يكن ممكنا أن يتكرر الأمر ببساطة بسبب تغلغل ( روح التاجر ) لدى معظم أبناء الخليج ، والأدب والفن لم يكن يوما تجارة رابحة أو حتى محترمة أحيانا فى المنطقة ، وكذلك الخشية من أحاديث ( الديوانيات ( وهى البرلمانات الشعبية التى لا ترحم أى مسؤول يتصرف بما لا يتفق مع العقل والأعراف مهما كانت منزلته ، ولذلك استمر دعم الأدب والفن من خلال المؤسسات الثقافية الرسمية التى تخصص لها الدولة ميزانيات كبيرة عادة لدعم أبنائها من المبدعين فى مختلف المجالات .. بل وتم انشاء أجهزة متخصصة فى مجلس التعاون الخليجى للأنشطة الثقافية لا تقل أهميتها عن أجهزة التعاون فى الإقتصاد والسياسة وغيرها .. وهى وإن كانت لم تحقق الهدف الكبير المنشود منها إلا أنها تحاول ، وحتى الآن يبدو أن أصحابها راضون بالإكتفاء بشرف المحاولة فى ظل عدم وجود الإبداع الذى يساير حجم الآمال والأجهزة وأيضا الأموال المخصصة لها .. لتظل الإجتهادات الفردية هنا أو هناك ، حتى ولو كانت لحاكم من الحكام مثل الشيخ سلطان القاسمى حاكم الشارقة ، هى الملمح الرئيسى لهذه الأنشطة التى يغيب عنها عادة التخطيط الاستراتيجى الشامل ، رغم وجود مجلدات عن التخطيط الاسترتيجى الشامل للدول العربية الذى أنجزته جامعة الدول العربية فى الثمانينات بمشاركة دول الخليج نفسها ..

    درس الشيخ القاسمى فى القاهرة ، وهناك نشأت علاقة بينه وبين كثير من المثقفين ورجال الإعلام والأدب ومنهم الراحل محمود السعدنى وشقيقه الفنان الكبير صلاح السعدنى ، وأثناء مشاركتى الأولى والأخيرة فى مهرجان مسرحى فى ( أبو ظبى ( تخلفت عن الذهاب الى لقاء مع حاكم الشارقة لتصورى أنه لقاء مجاملة ، ولكن بعد عودة الأصدقاء النجوم السعدنى وعزت العلايلى ومحفوظ عبد الرحمن والمرحوم السيد راضى وغيرهم تحدثوا كثيرا عن الشيخ بصورة تخيلت أنها تحمل الكثير من المجاملة للحاكم الذى حرص على استضافتهم فى إمارته ، ومرت السنوات ، ومع افتتاح قصر بشتاك الأثرى فى منطقة الحسين بالقاهرة تعجبت من إصرار الوزير فاروق حسنى على ضرورة حضور وكلاء الوزارة الافتتاح الذى سيحضره الشيخ القاسمى ، ولمعرفة مكتبه بعدم حضورى عادة لمثل هذه الأمور تم تأكيد ذلك مرة أخرى مع التصريح بأنها تعليمات الوزير .. وحضرت عازما على الانصراف بسرعة بعد الشكليات المعتادة فى مثل هذه الاحتفاليات ،  وعندما إستنكرت (كثرة( عدد المدعوين فى المكان الأثرى ، تصور مدير العلاقات العامة بالوزارة أننى أسخر و أكد لى عدم فهمه ( لقلة العدد ) ولكنها تعليمات الوزير بقصر الدعوة على عدد محدود ! واستمر اللقاء لساعات مع الشيخ الذى تحدث عن الثقافة والفن والأدب ووافقه أحيانا بعض الحضور ، وفى أحيان أخرى لم يتفق معه البعض ، ومع ذلك استقبل الأمر بروح طيبة وعقل متفتح ، وأتذكر أن أكثر من ناقشه فى ذلك اليوم الاعلامى حمدى قنديل الذى حضر مع زوجته النجمة نجلاء فتحى وأصر يومها على تأكيد أهمية وضرورة أن يلعب الخليج دورا أكثر تأثيرا فى مجال الإعلام والثقافة لأنه يملك الامكانيات المادية الكبيرة والرغبة الأكبر فى بناء المستقبل دون أن تقيده القيود الإدارية التى تعيق الثقافة والإبداع عادة فى الدول القديمة مثل مصر ، وهو ما وافقه عليه وزير ثقافة مصر السابق ، وأكد أهميته الشيخ الضيف مضيفا الإشارة الى أهمية دور المسرح فى تحقيق المتعة والفائدة للمشاهد العربى عموما والخليجى بصفة أخص .. يومها أدركت سر إحتفاء الشيخ بالمسرح وفنانيه وشعرت ببعض الندم على تخلفى عن الذهاب مع النجم صلاح السعدنى للشيخ رغم أن السعدنى كان قد نبهنى وقتها ضاحكا ( ستندم ياجميل ( !

    ومرت الأيام ، ونسيت أمر إهتمام الشيخ بالمسرح ، وحتى عندما كنت أسمع أنه قد كتب مسرحية وأخرى لم أعر الأمر إالتفاتا فقط لأنها لم تكن متاحة كعمل مسجل رغم كثرة النفقات المعتادة فى مثل هذه العروض الرئاسية ، كما لم يكن متاحا قراءة هذه النصوص المسرحية ، رغم كثرة المطبوعات الفاخرة لمثل هذه النصوص الرئاسية ، واعتقدت لفترة طويلة أن السبب يعود الى الجهاز الإعلامى المرافق لأعمال الشيخ أو لإدراكهم أنها أعمال لا ترقى الى مستوى إطلاع البسطاء أمثالى ممن قد يتناولونها بالنقد والتحليل الذى قد لا يرضى الشيخ كحاكم ، وإن كان وسيظل فى مسيس الحاجة الى مثل هذه الآراء النقدية الموضوعية كمؤلف ، خاصة وأن التأليف عنده لم يكن مجرد نزوة حاكم بل حاجة مؤلف صاحب فكر وموهبة يهمه تقديمها لى الناس .. ومرة أخرى نسيت أمر الشيخ المؤلف الى أن اضطرتنى ظروف كأستاذ للنقد المسرحى الى استكمال ما ينقصنى من اطلاع على أعمال الشيخ المسرحية عندما أصرت طالبة أشرف على بحث تخرجها واسمها ( زهراء ) على عمل رسالة التخرج من المعهد عن أعمال الشيخ المسرحية ، ويومها تأكدت من فشل كل الأجهزة الحكومية الرسمية فى الشارقة ، فلم تستطع الباحثة الشابة الحصول على نصوص الشيخ ، كما لم تستطع الحصول على أى تسجيل لأعماله التى تم عرضها ، أما الكتابات النقدية عنها فمعظمها لم تكن أكثر من عرض تقريرى مع أخبار كثيرة فقيرة نقديا عن هذه الأعمال المسرحية دون أن يجرؤ معظم من كتبها على تقديم أى تحليل نقدى ربما حتى لا يغضب الحاكم المؤلف أو جهازه الإعلامى والمسرحى المستفيد من مكرماته المالية وتأثير اسمه الكبير عند تقديم مسرحياته التى توالت عبر السنين ..

    ثابرت الباحثة الخليجية الشابة كثيرا ولم تسمع النصح بتغيير موضوع البحث لعدم توافر المراجع والمصادر والنصوص كما أبلغتها ، وإن كان ما لم أبلغها به عدم قناعتى بإمكانية وجود نص بينها يستحق عناء البحث والتحليل النقدى ، ولكنها كانت أكثر جلدا منى فذهبت الى سفارة الدولة ولم تجد فيها ما يمكن أن ينفع كالعادة ، وسافرت الى الإمارات وحصلت بعد عناء على ما تريده من نصوص وتسجيلات للمسرحيات وقليل من المجلات والصحف ، وكلها ما أن تم الإطلاع عليها حتى أدركنا ، هى قبلى ، أن تقديم بحث علمى عن مسرح الشيخ القاسمى أمر هام وان كان بالغ الصعوبة ، وقبل أن تتراجع الباحثة عن الموضوع صارحتها بأن تغلبها على كل هذه الصعوبات يعنى جديتها ، ويبقى تعاملها النقدى والتحليل الموضوعى للنصوص والعروض هو الأبقى والذى سيكتسب قيمة كبيرة ببساطة لأنها تطرق طريقا مجهولا مسلحة فقط بإرادتها وعلمها وقدرتها على تقديم بحث أكاديمى عن أعمال مؤلف مجهول رغم أنه أحد الحكام ، وتوقعنا معا إحتمال أن يكون البحث بعد الإنتهاء منه بداية جادة للتقييم الموضوعى لمؤلف عربى قديم لم يحسن أحد تقديمه ربما بسبب أنه .. حاكم ..   

    وهنا قد يكون من المفيد الإشارة الى حجم المعاناة التى بذلتها شخصيا فى قراءة نصوص الشيخ ومشاهدة التسجيلات وأيضا قراءة كل ما كتب عنها مما أحضرته الباحثة الشابة الى أن تم التوصل الى خطة بحث تفى الموضوع حقه من الناحية العلمية ، الى أن انتهت الباحثة من عملها بصورة مشرفة ويومها هنأتها وتوقعت أن تكون هذه الدراسة بداية للتعريف بالحاكم المؤلف عندما يتم نشرها على نطاق واسع ضمن مطبوعات الإمارة التى يتنافس عدد من الموظفين فيها على تقديم كل ما يرضى الشيخ المؤلف ، وبعد سنوات أخرى انقطعت خلالها صلتى بالباحثة ومسرح الشيخ القاسمى  ، شعرت بضياع الوقت والجهد عندما علمت أن أمل الباحثة لم يتحقق ، فلا البحث قد نشر رغم أهميته وجديته وجدواه ، كما لم يستفد به أحد ، ولم يتم تقييمه خارج أركان المؤسسة التعليمية حتى من أجل استكمال نواقصه والبناء بعده ، كما لم تلق الباحثة الخليجية بعض ما تستحق من تقدير من أجهزة المؤلف الشيخ حيث لم يلتفت أحد الى بحثها رغم أنهم قد بالغوا من قبل فى اظهار العرفان والتقدير لما تقوم به من جهد علمى رصين بعيدا عن النفاق والإعلام الدعائى ..

    ..و.. اعتقد أن الأمر كله ليس أكثر من غياب الرؤية والجدية فى التعامل مع المؤلف المسرحى العربى لأنه إذا كان ذلك يتم مع مؤلف له صفة الحاكم ونفوذه ، فما الذى يمكن تصور حدوثه مع مؤلف مسرحى خليجى آخر ليس له مثل هذه المميزات ، ما لم تدركه الباحثة هو حقيقة أنها إذا ما كانت قد ثابرت ومارست عملها كناقدة محترفة فى إحدى الصحف ، فربما كان ذلك سيتيح لبحثها الأكاديمى فرصة أفضل لدى النقاد والمتابعين للحركة المسرحية فى الخليج وأيضا لدى جهاز الشيخ الإعلامى لإرضائها كصاحبة مساحة فى إحدى الصحف وليس كباحثة ، خاصة وأنه الجهاز الذى يحرص على متابعة أى خبر صغير يكتبه صحفى أصغر تتم بعده دعوته فى مختلف المناسبات الثقافية وتقديمه على أنه من كبار نقاد وفنانى المسرح ..

    ويبدو أن الباحثة الشابة لم تحتمل كل هذا الزيف المسرحى ، فقررت الإعتزال قبل أن تبدأ العمل وتفرغت لما هو أهم لخدمة الأسرة بعد زواجها ، وأمثالها كثر ممن تركوا العمل فى التخصص بعد الدراسة الأكاديمية الطويلة .. ولعل هذا أيضا أحد أسباب عدم أخذ المسرح بحدية مستحقة فى منطقة الخليج عموما .. والدليل المهرجانات التى يتم اصطناع مسرحيات من أجل تقديمها فى المهرجان لتتحقق مقولة أنه ( مسرح للمهرجانات)وليس مهرجان ( للمسرحيات) التى يتم تقديمها طول العام ، ولذلك أيضا من المنطقى أن يكون عدد ليالى العرض الفعلية للمسرحية الواحدة فى الخليج لا يتعدى أصابع اليد الواحدة بما فيها عروض مسرحيات الشيخ الحاكم .. لتبقى الحقيقة الأكيدة أن الأمر كله فى حاجة الى إعادة نظر شاملة حتى لا يظل المسرح مجرد شكل أو زينة على ثوب الإمارة .. سواء فى الشارقة أو غيرها !

                                                                                                                 د. حمدى الجابرى

أنت هنا: دنيا المسرح شخصيات وأحداث بمناسبة أيام الشارقة المسرحية وليس عنها ..