دنيا المسرح

نور الشريف.. مرة أخرى

لقد أثبت نور  الشريف بعد وفاته أن الموتَ حياةٌ، وأنَّ الراحلين هم الباقون، وأن  مَلــَـكَ الموت لا يأخذ فقط، لكنه يُعطي من حيث لا ندري.
إذا سُــئِـلْتَ عن الطائفية في مصر فقل إنها هراء، فقد صلينا جميعا صلاة واحدة خلف جسد نور الشريف ونسينا أننا ننتمي لأديان عدة.

معذرة، سيدي الشيخ وسيدي القس وسيدي الحاخام، فتأثير نور الشريف كان أكبر من مواعظكم، لأنه استند على الحب والفن وأنتم على المقدس والماضي..

لابد من وضع قاموس تحت اسم نور الشريف فتبحث عن كلمة وطن في (حدوتة مصرية)، وعن العاهرة الشريفة في (ليلة ساخنة)، وعن حلم الهجرة في (سكة سفر)، وعن القابلية للاستعمار فلن تجد فقط في (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة لمالك بن نبي، ولكن في (بئر الخيانة)، وعن صغار شرفاء في (ضربة معلم)، و عن مصر القديمة في (عمارة يعقوبيان)، وعن صحبة أبطال أكتوبر في (سواق الأتوبيس)، وعن التحضر في(آخر الرجال المحترمين) وهكذا دواليك فمصر كلها في قاموس نور الشريف.
جرت العادة أن تزكم أنوفــَــنا رائحةُ الشامتين في وفاة أي رجل ليس من الجماعة، لكنهم هذه المرة خرسوا، ليس حُبــَّــاً في نور الشريف لكنه الخوف من عشاقه وهم أكبر عددا من محبي أي زعيم مصري منذ محمد علي باشا.

نور الشريف ظاهرة ينبغي البحثُ فيها وتأملها لنعرف كيف استطاع أن يكون الشخص الحاضر في كل عائلة!
التقيته مرة واحدة في فندق سفير بالكويت، ولما صافحته ظننت أنه يعرفني كما يعرف كل مصري وعربي، بالروح وليس بالوجه، وهنا تظهر عبقرية المحبة فتظن أن من تحبه يعرفك ولو لم تقابله قط!
كان أكبر من الشائعات، وعندما حاولتْ مطاردته سقطتْ، وتهشــَّــمتْ دون أنْ يرفع إصبعاً يدافع عن نفسه.
لو رشح نفسه بغير دعاية لحصل الثلاثة عشر مرشحاً للرئاسة على أصوات زوجاتهم وبناتهم وعشيقاتهم وخدمهم و.. حارسي عماراتهم فقط!

لا تقل بأنك لم تره في بيتك ولو كنت مقيما في واحة أو على ضفاف ترعة مجهولة، فله غرفة يقيم فيها داخل كل دار عربية، وعندما تجلس وتشاهد فيلما له، يخرج من الغرفة ويجلس بجانبك!

يجعلك لا تغادر الفيلم ومـَـشَاهدَه وكأنه أرادك أن تخرج لتدخل! وأتذكر أنني منذ أكثر من عقدين من الزمان قمت بزيارة المخرج المبدع داود عبد السيد في بيته القاهري، وسألته عن مرسي (نور الشريف في فيلم الصعاليك) ولماذا جعله يخرج من قسم شرطة باب شرق بالاسكندرية وليس من باب السجن! فقال لي بأنه سأل وبحث، فعرف أن السجين يخرج من باب قسم الشرطة الذي اعـْـتُقــِـل فيه!
نور الشريف زاوج السينما بالثقافة، وجعل الفيلمَ رديفاً للكتاب، وكان الحاضرَ الأحْضـَـر، ويختار أفلامه، فإذا أعدَّ قوسه أبعد سهمه الأخيب!

قليل من أعماله من لا تحمل رسالة، مثل الحاج متولي، لكنه يتركك تغضب على المجتمع الذي مــَــتـّوَلَ رغبات الرجال، وتفهم الرسالة من ظهرها!

كل منا سيذوق الموت بطعمه الحُلو والمرّ، لكن مَلــَـك الموت يعود أحيانا من الناحية الأخرى ويرشّ بعضاً من رائحة الراحل على مُحبيه لئلا يغدر بهم النسيان بعد طول الغياب.

كان حنظلة السينما، وقائد كتيبة الإعدام، ولــَـعَنَ زمن حاتم زهران، وصنع تعبيرات وجه الذكر في أعلى صور (الرغبة) لمحمد خان!

نور الشريف رحل ولم يرحل، وإذا مثــَّــل، عـَـصَرَ كل امكانياته العبقرية فتسمعه وتشمه وتراه وتحسه كما في مشهد على سطح بيت شقيقته وزوجها الانفتاحي في بورسعيد(سواق الأتوبيس)، وفي (الغيرة القاتلة) لعاطف الطيب جعلنا نشعر جميعا أن كل صديق قد تحرقه الغيرة، وتشعله نار الكراهية.
نور الشريف، قل لي بربك، كيف جمعت كل هذا الحب، أعني كل هؤلاء المحبين؟

محمد عبد المجيد

المدى عن الحوار المتمدن18-08-2015

أنت هنا: دنيا المسرح سينما نور الشريف.. مرة أخرى